سلامٌ للودائع... أم سلامٌ عليها؟

آراء 12-01-2026 | 11:07

سلامٌ للودائع... أم سلامٌ عليها؟

هنالك إجماع على أن عدداً كبيراً من المودعين الذين تفوق ودائعهم 100 ألف دولار لن يكون بإمكانهم الاستفادة من سندات الدين كما ورد في مشروع القانون
سلامٌ للودائع... أم سلامٌ عليها؟
اعتصام المودعين على طريق قصر بعبدا (أرشفيية، نبيل إسماعيل)
Smaller Bigger

عبد الرحمن عبد المولى الصلح

 

 

لا أريد التّعليق على قانون الفجوة المالية الذي أقرَّه مجلس الوزراء أخيراً وذلك منعاً للتكرار، فلقد صدرت عشرات التعليقات حول القانون. ومن المُنتظَر بعد إحالته على المجلس النيابي أن يخضع لأكثر من تعديل. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه ماذا يُمكن أن يُعدَّل بالقانون وهو الذي نتج من 19 مسودَّة كما ذكر رئيس الوزراء نواف سلام الذي صرّح "أكرّر أن القانون ليس مثالياً، لكنّه أفضل الممكن لاستعادة الحقوق" ("النهار" 29-12-2025)، إضافة إلى ذلك فأيّة تعديلات يمكن أن تُطبَّق خصوصاً أن نصف موجودات الذهب لدى المصرف المركزي وليست كلُّها لن تُمَسّ كما أكَّد أكثر من مسؤول؟ لكن اللافت هو الدعم الأميركي لمشروع القانون من خلال البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت مُرحِّباً بقانون الفجوة المالية. فلقد وُصف القانون "بأنّه سوف يساهم في عودة ثقة المؤسسات المالية الدولية بما فيها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالاقتصاد اللبناني" ("النهار" 7-1-2026)، لكن هنالك إجماعاً على أن عدداً كبيراً من المودعين الذين تفوق ودائعهم 100 ألف دولار لن يكون بإمكانهم الاستفادة من سندات الدين كما ورد في مشروع القانون، وذلك بحكم التقدّم في العمر وانتقالهم إلى رحاب الآخرة! من هنا السؤال: هل يُقال ترحيباً بالودائع... سلامٌ لها أو سلامٌ عليها؟

 

 

في ضوء ما سبق، هدفي في هذه العجالة أن أطرح مجموعة ملاحظات - اسئلة، علّها تضع النقاط على الحروف:

(1) لماذا لم تُقدم الحكومة منذ اليوم الأول لتأليفها على اصدار قانون يتيح التدقيق الجنائي بحسابات مصرف لبنان والمصارف كسباً للوقت، إضافةً إلى التدقيق بحسابات عدد من الوزارات على رأسها الطاقة والإتصالات.... الوزارتان اللّتان شهدتا بشهادة الجميع إهداراً وفساداً لا مثيل لهما؟ 

(2) من المسؤول عن عدم تطبيق اعتماد خطة التعافي المالي التي عملت عليها خطة "لازارد" في غضون عام على بدء الأزمة 2020 -2021.  فبحسب الخطة كان بالإمكان آنذاك سداد أكثر من 98% من السيولة المتبقية في المصارف ومصرف لبنان وتحويل ما تبقى من ودائع المودعين الكبار إلى اسهم في المصارف نفسها. "لازارد" استهدفت سعر صرف يقارب 3200 ليرة للدولار. يومها، وللتذكير بلغت إحتياطات مصرف لبنان ما يزيد عن 30 مليار دولار. والثابت أنها كانت كافية مع اعتماد "الكابيتال كونترول" لوضع الأمور في نصابها وإنقاذ ليس المودعين فحسب بل الاقتصاد اللبناني برمّته! لكن حكومة حسان دياب كانت في وادٍ آخر! ولعلّ من خطايا التوقّف عن سداد اليوروبوند ان لبنان فقد القدرة على الإقتراض من الأسواق الدولية وللتذكير فمجلس النواب آنذاك وبضغط من لوبي المصارف أحبط الخطة لانها اعتمدت كبداية شطب اسهم المصارف قبل تحميلها إلى الجهات الأخرى.

 

خطة "لازارد" لم تكن الأمثل لكن لو اعتُمِدَت آنذاك لكانت خطّة "أهون الشرَّين". سقطت الخطة وسقط معها مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي ونجح اللوبي المصرفي في جر البلاد إلى سيناريو الإنهيار الشامل. يومها أكّد صندوق النقد الدولي ان ارقام خطة "لازارد" صحيحة. يُقال أنها نُسفت لأنها تضمّنت إجراء تحقيق مالي. كانت الخطة تُركِّز على توزيع الخسائر بين الدولة، مصرف لبنان، ومساهمي البنوك.

 

(3) كيف تمّ صرف قرابة عشرة مليارات دولار بذريعة تمويل سياسة الدعم؟ ومن هم المستفيدون؟ لماذا لم يُطبَّق "الكابيتال كونترول" منذ الشهر الأول للأزمة أي تشرين أول 2019 -زمن عهد ميشال عون- كما عملت اليونان والتي شهدت انهياراً مماثلاً؟ والمُؤسف أن عون لم يُحرِّك ساكناً لوضع الأمور في نصابها والسعي الى تطبيق "الكابيتال كونترول" بل سعى الى مصالح من كانوا حوله وحواليه، لترك الأمور على غاربها وعرقلة إعادة تكليف سعد الحريري رئاسة الحكومة بعد أن قدّم استقالته أثر انتفاضة 19 تشرين 2019. وبما أن الشيء بالشيء يُذكَر فعهده أقل ما يوصف بأنه عهد الانهيارات الكبرى : انفجار المرفأ (آب 2020) وهو الانفجار الأكبر غير النووي في العالم، إضافة إلى اكبر انهيار مالي لم يشهد له ليس لبنان مثيلاً بل العالم! لعل الجواب أن عون كان في غيبوبة سياسية، فالحاكم من وراء الستار كان صهره جبران باسيل الذي كبّد اللبنانيين قرابة عشرين مليار دولار ذهبت إهداراً لمشاريع السدود الفاشلة ولتزويد معامل الكهرباء المتهالكة بالمازوت.

 (4) أُحمِّل رؤساء الوزراء السابقين كلّ المسؤولية بحكم رئاستهم للسلطة التنفيذية. والسؤال هو أين كانوا منذ عام 2016 وقبل ذلك، ولماذا لم يتّخذ أحد منهم أي إجراء رأفةً بالبلد وأهله لوقف سيل الإستدانة من أموال المودعين لتمويل العجز؟

الثابت أن أحداً منهم لو فعل لما وقعت الكارثة التي ألمّت بمليون مودِع! ليس من العدل أن يُحصَر اللوم فقط بحاكم المصرف المركزي السابق رياض سلامة ووزراء المال السابقين... يذكر سلامة في مقابلة تلفزيونية سابقة ان رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة اقترح عليه تقسيط زيادة رواتب موظفين القطاع العام على خمس سنوات، لكن السنيورة عند التصويت على القانون في المجلس النيابي وكان لا يزال نائباً، لم يعترض على الإقرار بدفع الزيادات دفعة واحدة لأنّ الأنتخابات النيابية يومها كانت على الأبواب!  رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي بقي رئيساً للوزراء لمدة 3 سنوات ابتداءً من تموز عام 2021، والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه لماذا طوال السنوات الثلاث لم يُقدِم على أي خطوة لإقرار قانون يفسح المجال لإعادة الودائع؟

 

(5) لعل خاتمة مجموعة الأسئلة تُختَصَر بسؤال جوهري واحد: بعد كلّ أخطاء لا بل خطايا المنظومة الحاكمة التي تسببت بحصيلة مليون ضحية / مودِع، السؤال هو لماذا لم ينتفض اللبنانيون على من تسبَّب لهم بزلزال عنيف دمّر أحلامهم وجنى أعمارهم وأوقعهم في حفرة ولا أعمق؟ علماً أن خطايا المنظومة لا تقتصر على ذوبان ودائع الناس فحسب بل تشمل الترهُّل والإنحدار على كل المستويات وفي كل القطاعات وجرّ البلاد إلى ما سمّاه الصحافي الراحل رشدي المعلوف "تحت التحت"! ولعل أبشعها وأكثرها وجعاً وإيلاماً تكريس الطائفية والمذهبية والتحايل على كل ما هو محِقّ. كان من المتوقّع أن تشهد البلاد انتفاضات عارمة تبدأ ولا تنتهي إلا بزوال المنظومة الحاكمة. لكن المؤسف أن شيئاً من ذلك لم يحصل بل حدث العكس تماماً، فالانتخابات النيابية عام 2024 أعادت انتاج التركيبة نفسها والخوف من أن يتكرّر ذلك في انتخابات عام 2026! في قول لأبي ذرّ الغفاري: "عَجِبتُ لمن لا يجد القوت في بيته أن لا يخرج على الناس شاهراً سيفه!". اللبنانيون لم يفقدوا قوتهم فحسب بل أحلامهم وآمالهم وتطلّعاتهم بغدٍ أفضل.

 

حنَّة أرندت شبّهت الثورة بالبركان الذي يقذف الحمم ولا يمكن إيقافه! فلماذا لا يشهد لبنان بركاناً مماثلاً؟ كيف استطاعت المنظومة الحاكمة ان تضع سدّاً أمام البركان الذي كان مُنتظَراً؟ صحيح أن البلاد شهدت انتفاضة شعبية في 19 تشرين الأول 2019 نتيجة تصريح وزير الاتصالات آنذاك محمد شقير بإضافة 6 سنتات على استعمال مكالمات "الواتس اب"، والصحيح أيضاً ان "حزب الله" حامي نظام المحاصصة قضى عليها كي لا تفلُت الأمور من زمامها (تزامن ذلك مع انتفاضة ممثالة في العراق أجهضتها طهران)، لكن صحيح أن الانهيار المالي الذي انفجر عام 2019 والذي ازدادت وتيرته بعد ذلك لم يُرهِق المودعين فحسب بل اللبنانيين كافة على كل مستوياتهم.

 

في رثائه للنائب الراحل إميل بستاني الذي تُوفِّيَ عام 1963 كتب سعيد عقل موجِّهاً كلامه إلى قلعة بعلبك: " يا سِتَّةً عمدوا السَّما / قد جاءكم سابعكم فزيدوا". لعلّنا بحاجةٍ إلى عملاق شبيه بأعمدة بعلبك. عملاق لو كان في الحكم أو لو استمرَّ نهجه لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه على كل المستويات. وهنا لا يخطر بالبال إلا عملاقِ كبير: الراحل الكبير الرئيس فؤاد شهاب!

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/11/2026 12:29:00 PM
في مراحل مختلفة، لجأ حزب الله،  إلى الجالية اللبنانية الواسعة في أميركا اللاتينية للحصول على الدعم
لبنان 1/10/2026 11:53:00 PM
هزة أرضية شعر بها سكان بيروت
ايران 1/11/2026 10:17:00 PM
قُتلت الطالبة الإيرانية روبينا أمينيان (23 عامًا) برصاصة في مؤخرة الرأس خلال احتجاجات طهران، فيما أُجبرت عائلتها على دفنها سرا بعد منعها من إقامة مراسم علنية، وفق تقارير حقوقية.
حارس مادورو: "في لحظة ما، أطلقوا شيئاً لا أعرف كيف أصفه، كان يشبه موجة صوتية مكثفة للغاية، شعرت فجأة وكأن رأسي ينفجر من الداخل"