مقاربة مختلفة لما يجري في إيران

آراء 13-01-2026 | 00:16

مقاربة مختلفة لما يجري في إيران

في جزء من الحراك تبدو الاندفاعة قويّة نحو طلب التغيير، وهو شعار برز جهاراً بين الحشود، وفي الجزء الآخر يظهر إيقاع مختلف كأنّ ما يجري مدروس...
مقاربة مختلفة لما يجري في إيران
إحراق صورة المرشد الإيراني خلال مسيرة معارضة للنظام الإيراني في لندن (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تتبلور صورة المشهد الاعتراضي الكبير الذي يجري في شوارع غالبية المدن الإيرانية، وتفاقُم الاحتجاجات لا يعني أنها ستصل إلى الخواتيم التي ينشدها بعضهم، أي إسقاط النظام، حتى إن كان هذا الاحتمال وارداً ومطروحاً.

 

في جزء من الحراك تبدو الاندفاعة قوية نحو طلب التغيير، وهو شعار برز جهاراً بين الحشود، وفي الجزء الآخر يظهر إيقاع مختلف كأن ما يجري مدروس، ونهايته معروفة سلفاً. وقد تكون العوامل الإقليمية والدولية الضاغطة على طهران أحد أهم الدوافع خلف ما يحصل.

التسريبات التي وصلت عن التفاهمات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في لقائهما الأخير نهاية العام المُنصرم، ذكرت أن الرجلين استمهلا أيّ ضربة عسكرية ضد ايران، لأنها ستؤدي إلى إيقاف الثورة الشعبية العارمة، وسيستغلها النظام للتنكيل بالمشاركين فيها، على اعتبار أن الناشطين يخدمون العدوّ الخارجي. لكن الرئيس ترامب عاد وأكد أن بلاده لن تسكت إذا ما أقدمت القوات الإيرانية على قتل المتظاهرين.

 

خلال زيارته الأخيرة لبيروت تجاهل عرقجي كل ما يجري في إيران (أ ف ب)
خلال زيارته الأخيرة لبيروت تجاهل عرقجي كل ما يجري في إيران (أ ف ب)

 

 

نداءات وليّ عهد إيران السابق رضا بهلوي لا يبدو أنها تخدم المسار العام للثورة القائمة، فهي من جهة تصدر من أراضي الولايات المتحدة الأميركية وتطالب الرئيس ترامب بالتدخل عسكرياً ضد النظام الإيراني، لكن من جهة ثانية تُثير الخشية لدى جموع واسعة من الشعب، لأن هؤلاء لا يريدون العودة إلى الحكم "البهلوي" وإن كانوا معارضين لنظام ولاية الفقيه. في المقابل فإن الغياب الواضح للرموز القيادية، أو المُحركة للانتفاضة عن الواجهة، يبعث على الخوف عند جمهور واسع، على اعتبار أن البديل من النظام قد يكون الفوضى، أو أن هناك قطبة مخفيّة وراء اندفاعة التحركات في هذا التوقيت بالذات.

متابعون من النُخب الإيرانية في الخارج، حذِرون جداً من اتخاذ مواقف صريحة تجاه ما يجري، ولديهم "نقزة" من أن يكون بعضها مُدبّراً من قبل جهات حكومية، أو من الحرس الثوري، بهدف تجنُّب حرب خارجية – ضربات أميركية وإسرائيلية – على وجه التحديد، والنهاية المرتقبة للحراك معروفة، وما يجري قد يكون تحت سقف مُحدّد، وعوامل ختامه متوافرة لدى مَن ساعد على تحريك هذا الحراك، أو بواسطة تقديمات تُحسِّن من مستوى المعيشة بحدود معيّنة، وقد يستفيد الرئيس مسعود بزكشيان ممّا يحصل لتدعيم منسوب تأثيره على القرارات الرئيسية في البلاد.

وما يثير الاستغراب أن الحراك يدور بين نشطاء الأكثرية "الفارسية" وفي المدن المحسوبة تاريخياً على التيار المحافظ الموالي للنظام – كمدينة مشهد – على سبيل المثال، ولم تحصل تحركات هامة في المناطق التي تعيش فيها الأقليات من قوميات أخرى، كما حصل في الانتفاضة السابقة في عام 2022 التي فجّرتها عملية قتل الناشطة الكردية مهسا أميني. والمعروف أن الاضطرابات المخيفة للنظام في إيران هي التي تحصل عادةً في الأوساط البلوشية والطاجيكية والعربية والكردية، حيث الاعتراض على تركيبة النظام وميثيلوجيته العقائدية أكثر شدّة.

وركائز المقاربة التشكيكية المختلفة حول ما يجري، لا تغيِّب إطلاقاً الخطر الداهم على النظام القائم، ولا تغفل أيّ مفاجآت يمكن أن تحصل بالتماشي مع التطورات الدولية القائمة. وما حصل على المستوى الإقليمي والدولي في المدة الأخيرة لم يكن في مصلحة النظام الإيراني، وهو خسر نسبة كبيرة من مناطق نفوذه في الجوارين العربي والآسيوي، وتعرَّض برنامجه النووي لإضرار وازنة من جراء القصف الإسرائيلي والأميركي، وتراجع تأثير حلفائه في أكثر من مكان، وآخرها سجن صديقهم نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا بعد عملية اختطافه من قصره الرئاسي في العاصمة كاراكاس على أيدي قوات كوماندوس أميركية. وتبدو حليفتاه الصين وروسيا في وضعية استرخاء، ولا تبذلان جهوداً حثيثة للدفاع عن طهران.

ومن المعلومات المتداولة في الأيام الماضية، وصول رسالة حازمة للقيادة الإيرانية من الولايات المتحدة الأميركية، تطلب منها إعلان التخلي عن برنامجها النووي العسكري، ووقف التجارب على الصواريخ الذكيّة المتطوّرة، وحجب المساعدات عن التنظيمات التي تدور في فلكها بالخارج، والغالبية منها مصنَّفة إرهابية بالقياس الأميركي، وإلا فإن الضربة العسكرية عليها قادمة لا محالة.

في قواعد ديالكتيك العلوم السياسية الحديثة، البراغماتية العصرية ليست صديقة مع الأخلاق في العلاقات الدولية، وقادة طهران مشهورون بذكائهم في التعامل مع هذه القواعد، والمخفيّ من النوايا قد يكون أكثر من المُعلن. وإبراز قدرتهم على إخماد انتفاضة واسعة اليوم قد يفيدهم أكثر من الأضرار التي تسبّبها التحركات القائمة. ومَن راقب تصريحات وزير خارجية إيران عباس عراقجي وحراكه الهادئ أثناء زيارته الأخيرة لبيروت، يُدرك بعضاً من هذا الدهاء، فلم تبدُ عليه أية مظاهر قلق، وهو تجاهل كلّ ما يجري في إيران، وكأنّ شيئاً لم يكُن!

 

 

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 1/11/2026 12:20:00 PM
بالتواضع المنسحق، بالغفليّة التامّة، وطبعًا خارج الصوت والصورة، وخارج أيّ شيء...
ايران 1/11/2026 10:17:00 PM
قُتلت الطالبة الإيرانية روبينا أمينيان (23 عامًا) برصاصة في مؤخرة الرأس خلال احتجاجات طهران، فيما أُجبرت عائلتها على دفنها سرا بعد منعها من إقامة مراسم علنية، وفق تقارير حقوقية.
لبنان 1/12/2026 5:32:00 AM
عشرات الطلاب، لبنانيين وأجانب، وقعوا ضحية هذا المسار. فعدد المتدرّبين في الشركة يقدّر بنحو 70 إلى 80 طالباً، بينما سُجّل لدى المديرية العامة للطيران المدني عدد كبير من المحاضر، إثر شكاوى تقدم بها تلامذة وجرى توثيقها رسمياً
لبنان 1/12/2026 9:30:00 AM
كتل هوائية شديدة البرودة وانخفاض حادّ بدرجات الحرارة!