التعايش من دون وجود: وهم خطير لتسوية مفروضة

آراء 09-01-2026 | 04:51

التعايش من دون وجود: وهم خطير لتسوية مفروضة

يجب أن يخضع السلاح حصرياً للمؤسسات الشرعية للدولة، لأن أي حياد أو تعايش أو حصانة وطنية لا يمكن أن تستمر في بلد تنفلت فيه القوة من الإطار القانوني. 
التعايش من دون وجود: وهم خطير لتسوية مفروضة
الدولة وحدها، حين تحتكر القرار الأمني تصبح قادرة على حماية جميع مواطنيها (أ ف ب)
Smaller Bigger

سيروج ابيكيان*

 

 

أصبح مفهوم التعايش، في الخطاب السياسي ملاذاً لغوياً يُستحضر لتهدئة التوترات، وإخفاء الاختلالات، وتأجيل القرارات الجريئة. غير أنّ حقيقة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها وهي أن: "لا تعايش من دون وجود". فعندما يُفرض التعايش على حساب الوجود الفعلي لفرد أو لشعب، لا ينتج عنه سلام ولا استقرار، بل يمهّد، على العكس، لعدم وجود مستقبلي.

الوجود السياسي لا يقتصر على الحضور الجغرافي أو الإحصائي، بل إنه الاعتراف بالإنسان أو بالجماعة كفاعل شرعي داخل الدولة، حاملٌ للحقوق، ولسردية تاريخية، وللثقافة، ولصوت مسموع. غير أنّ كثيراً من أشكال التعايش الموصوفة بـ«السلمية» تقوم في واقع الأمر على محوٍ تدريجي لهذه العناصر، حيث يُطلب الصمت باسم الاستقرار، والحياد واللامبالاة باسم الوحدة، والنسيان باسم المصالحة، دون إصلاح الخلل ودون حلّ المشاكل والأزمات، وركن الخلافات دون تسويتها الى حين، ثمّ إعادة إبرازها وفق الظروف. وهذا النوع من التعايش ليس اتفاقاً، بل إكراه مقنّع.

 

 

تواصل إسرائيل استهدافاتها في الداخل اللبناني (أ ف ب)
تواصل إسرائيل استهدافاتها في الداخل اللبناني (أ ف ب)

 

كل تعايش مفروض هو بطبيعته هشّ، لأنه لا يستند إلى الرضى ولا إلى المساواة، بل إلى ميزان قوى مختلّ. ما دام هذا الميزان قائماً، تستمر وهمية السلام، لكن ما إن يهتزّ حتى تعود التوترات إلى السطح، وغالباً ما يكون بعنف أشدّ. ويزخر التاريخ السياسي بأمثلة تبيّن أن فرض العيش المشترك من دون اعتراف حقيقي بالهويات والحقوق قاد إلى الانقسام لا إلى الوحدة، وإلى الزوال لا إلى الاستمرار.

وعلاوةً على ذلك، يطلق هذا النمط من التعايش منطقاً انتقامياً، حيث تستدعي كل خطوة ردّ فعل مقابلاً، ما يغذّي حلقة مفرغة من الصراعات. وفي الأنظمة السياسية الشديدة المركزية، تتخذ هذه الدينامية طابعاً أكثر تدميراً، إذ يحتكر المنتصر السلطة والموارد والقرار، ويُقصي الآخرين على المدى الطويل. هكذا يُفتح الطريق أمام سياسات إقصاء أو إلغاء، صريحة كانت أو مقنّعة، يصبح فيها التهميش أداة حكم. وأيضاً التاريخ الحديث شاهد على ذلك: فالإبادات الجماعية، والمجازر، والمجاعات، وأشكال العنف الواسع النطاق، غالباً ما كانت ثمرة منطق الانتصار الكلي. وهذه المآسي اللاإنسانية، وهي ليست بعيدة بالزمن، لا تزال تتكرر، مؤكدة أن أي تعايش يقوم على إنكار المساواة والكرامة ينتهي، عاجلًا أو آجلًا، إلى الدمار لا إلى السلام.

إن الاستقرار الدائم لا يمكن أن ينبع إلا من الاعتراف المتبادل. وهذا يفترض قبول التعددية بوضوح، لا بوصفها خطراً يجب احتواؤه، بل كواقع ينبغي تنظيمه سياسياً. فالتعايش الحقيقي لا يتطلب محو الاختلافات، بل إدارتها بعدالة ومساواة. وهو يستلزم مؤسسات قادرة على ضمان الوجود السياسي للجميع، من دون تراتبية مبطّنة أو مواطنة بدرجات متفاوتة.

أما رفض هذا المبدأ، فيعني الحكم على المستقبل بعدم الاستقرار. فالمجتمع الذي يقبل بتغييب الوجود السياسي لبعض مكوّناته إنما يزرع بذور صراعات الغد، لأن ما يُنكر اليوم سيعود غداً في شكل مطالب راديكالية أو قطيعة عنيفة.

من هنا، لا يتمثل الخيار السياسي الحقيقي بين التعايش والصراع، بل بين تعايش حرّ وتعايش مفروض. الأول يقوم على الاعتراف بالوجود، أما الثاني فيقود حتماً إلى الإلغاء أو الانفجار. فبناء مستقبل مشترك لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى العيش معاً، بل بضمان الحق الأساسي لكل فرد وجماعة في الوجود الكامل.

كذلك لا يمكن للتعايش أن يقوم على منطق سياسي إقصائي، حيث لا يتقدّم طرف إلا بهزيمة الآخر. فهذه الرؤية، القائمة على ثنائية الرابح والخاسر، تغذّي صراعاً دائماً وتزعزع السلم الأهلي. وعلى العكس، ينبغي أن يفتح التعايش المجال أمام تنافس مرن ومنظّم، تحكمه قواعد عادلة، تشجّع الابتكار والجهد والتقدم الجماعي. في هذا الإطار، لا تعود المنافسة أداة إقصاء، بل تغدو محرّكاً لتنمية مشتركة، ولِمَ لا، لتكامل اجتماعي وثقافي واقتصادي ضمن اختلافات منظّمة. وهكذا يقوم التعايش السلمي في إطار تنافسي حرّ على توازن بين الحرية والإنصاف والتعاون، بما يتيح للجميع التقدّم من دون تهديد وجود الآخر.

وفي بلد متعدّد الثقافات كلبنان، لا يمكن للتعايش أن يكون مستداماً من دون قاعدة مشتركة تتجاوز الفوارق الثقافية والدينية والطائفية. وهذه القاعدة يجب أن تتمثل في الانتماء إلى وطن واحد، قائم على مواطنة متساوية، وقيم مشتركة، واحترام سيادة القانون. غير أنّ الوحدة الوطنية لا تعني التماثل، بل على العكس، تتطلب نظاماً حقيقياً من اللامركزية، يعترف بتنوّع المناطق والهويّات والأديان، ويمنحها في الوقت نفسه القدرة على إدارة شؤونها الخاصة. وتغدو الاستقلالية المالية شرطاً أساسياً في هذا السياق، لأن اللامركزية من دون موارد تبقى شكلية، وتفتح الباب أمام الإحباط والتوتر. ومن خلال تمكين الجماعات المحلية من اتخاذ القرار، وتأمين التمويل، وتنفيذ أولوياتها ضمن إطار دولة موحّدة، تعزّز اللامركزية وجود الجميع وتماسك الكل في آن واحد.

لكن نجاح هذا المسار يقتضي إرساء سياسة وطنية وحصانة داخلية قائمة على حياد الدولة اللبنانية، باعتباره خياراً استراتيجياً لحماية الوحدة الداخلية وضمان الاستقرار على المدى الطويل. فالحياد لا يعني الانكفاء عن العالم، بل هو موقف فاعل يتيح للدولة النأي بنفسها عن النزاعات والمحاور والصراعات الإقليمية والدولية غير المرتبطة بها بالشكل المباشر. ومن خلال سياسة خارجية متوازنة وحصانة وطنية محترمة، تعزّز الدولة سيادتها، وتصون تنوّعها الداخلي، وتحدّ من مخاطر الانقسامات المستوردة من الخارج. وهكذا يصبح الحياد إطاراً للأمن الجماعي، يضمن معالجة الخلافات عبر الحوار والمؤسسات، لا عبر الاصطفاف أو المواجهة.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تحتكر الدولة، أياً يكن النظام اللامركزي المعتمد، الإدارة العامة الشاملة، وعلى وجه الخصوص السلطة السيادية المتمثلة في حصرية استخدام القوة، إذ يجب أن يخضع السلاح حصرياً للمؤسسات الشرعية للدولة، لأن أي حياد أو تعايش أو حصانة وطنية لا يمكن أن تستمر في بلد تنفلت فيه القوة من الإطار القانوني. فوجود السلاح خارج هذه الحصرية يضعف سلطة الدولة، ويغذّي الانقسامات الداخلية، ويعرّض البلاد لصراعات وتدخّلات خارجية. في لبنان، إن ضمان عدم وجود سلاح غير شرعي أو قوى مسلّحة موازية على الأراضي الوطنية ليس خياراً أيديولوجياً، بل شرط أساسي للسيادة والاستقرار والسلم الأهلي. فالدولة وحدها، حين تحتكر القرار الأمني، تصبح قادرة على حماية جميع مواطنيها على قدم المساواة، وعلى ترسيخ تعايش قائم على القانون لا على ميزان القوة.

فالتعايش لا يُفرض أبداً، بل يُختار بحرية، كما أن الوجود لا يكون إلا حراً.


* مدير مركز – MEC affairs

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/8/2026 6:16:00 AM
لا يجري الحديث عن تحالف، بل عن "اتفاقية تنسيق أمني".
المشرق-العربي 1/7/2026 4:41:00 PM
ملف لبنان أصبح في يدي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والموفدة مورغان أورتاغوس