الصين وفنزويلا: الشراكة تحت اختبار القانون الدولي وتوازنات القوة
وارف قميحة*
تحتل العلاقة بين الصين وفنزويلا موقعاً خاصاً في خريطة السياسة الدولية المعاصرة، ليس فقط بسبب بعدها الاقتصادي، بل لأنها تمثّل نموذجاً لكيفية تفاعل قوة صاعدة مع أزمات تقع خارج نطاقها الجغرافي المباشر، وفي مناطق تتشابك فيها اعتبارات السيادة والنفوذ والصراع على النظام الدولي.
منذ مطلع القرن الحالي، انتهجت بكين سياسة ثابتة تجاه فنزويلا قوامها توسيع التعاون الاقتصادي والتقني، مع تجنّب التدخل المباشر في خياراتها السياسية الداخلية. هذه المقاربة تعكس فلسفة صينية أوسع في إدارة العلاقات الدولية، تفضّل العمل عبر الاتفاقات طويلة الأمد، والاستثمار في البنية التحتية والطاقة، بدل الرهان على التغيير القسري أو الضغوط السياسية.
وقد أتاح هذا النهج للصين بناء علاقة متماسكة مع كاراكاس، تطوّرت تدريجاً لتشمل التنسيق في ملفات دولية، وتبادل الدعم في المحافل متعددة الأطراف، خصوصاً في القضايا المتعلقة برفض العقوبات الأحادية واحترام مبدأ السيادة الوطنية.
الاقتصاد كرافعة استراتيجية
شكّل التعاون الاقتصادي حجر الأساس في هذه العلاقة. فالصين، الساعية إلى تنويع مصادر الطاقة، وجدت في فنزويلا شريكاً قادراً على تلبية احتياجات طويلة الأمد، بينما وفّرت بكين لكاراكاس قنوات تمويل واستثمار في فترات كانت فيها الخيارات محدودة. ومع مرور الوقت، اتّسع نطاق التعاون ليشمل قطاعات التعدين، البنية التحتية، والاتصالات، ضمن أطر تخدم مصالح الطرفين من دون تحويل العلاقة إلى تبعية سياسية مباشرة.
موقف بكين من اعتقال مادورو
في هذا السياق، جاء الموقف الصيني من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليعكس ثوابت السياسة الخارجية لبكين. فقد عبّرت الصين علناً عن رفضها لهذا الإجراء، معتبرة أنه يتعارض مع المبادئ الأساسية التي تنظّم العلاقات بين الدول، وفي مقدمها احترام السيادة وعدم استخدام القوة أو الولاية القضائية خارج الحدود كوسيلة لمعالجة الخلافات السياسية.
الملاحظ في الموقف الصيني أنه لم يُقدَّم كدفاع عن شخص أو نظام بعينه، بل كتحذير من تداعيات سابقة يمكن أن تُضعف النظام الدولي القائم على القواعد، وتفتح الباب أمام ممارسات أحادية تُقوّض دور المؤسسات الدولية. من منظور بكين، فإن معالجة الأزمات السياسية، مهما بلغت حدّتها، يجب أن تمر عبر الحوار والآليات الديبلوماسية، لا عبر فرض الوقائع بالقوة.
لا ينفصل هذا الموقف عن إدراك الصين لمصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى. فبكين ترى أن التساهل مع إجراءات تتجاوز الحدود الوطنية قد ينعكس لاحقاً على مناطق أخرى تشكّل أهمية حيوية لها. لذلك، يأتي دفاعها عن القواعد الدولية بوصفه دفاعًا استباقيًا عن بيئة دولية أكثر استقراراً وتوازناً.
فنزويلا في سياق التحول العالمي
تكتسب فنزويلا أهمية خاصة في الرؤية الصينية لأنها تقع عند تقاطع حساس بين النظام الدولي التقليدي ومساعي إعادة تشكيله. فهي تمثّل حالة لدولة تسعى إلى تنويع شراكاتها في مواجهة ضغوط خارجية، وفي الوقت نفسه ساحة اختبار لقدرة القوى الصاعدة على لعب دور سياسي مسؤول دون الانزلاق إلى منطق المواجهة المفتوحة.

إن العلاقة بين الصين وفنزويلا لا يمكن اختزالها في النفط أو التمويل أو المواقف الظرفية. إنها تعبير عن رؤية مختلفة لإدارة العلاقات الدولية، رؤية تحاول الموازنة بين المصالح الوطنية واحترام القواعد الدولية، في عالم يتّسم بتصاعد النزعات الأحادية. ومهما تباينت القراءات، فإن موقف الصين من التطورات الأخيرة يؤكد أنها ترى في استقرار القواعد الدولية شرطًا أساسيًا لأي نظام عالمي قابل للاستمرار.
*رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض