فنزويلا، عودة منطق الهيمنة الأميركية خارج القانون الدولي

آراء 06-01-2026 | 04:23

فنزويلا، عودة منطق الهيمنة الأميركية خارج القانون الدولي

مع اعتقال مادورو، تدخل فنزويلا مرحلة عدم استقرار مفتوحة على سيناريوات متعددة، أبرزها إعادة ترتيب داخلية للنظام عبر تفاهمات تدريجية مع واشنطن، أكثر من كونه تغييراً دموياً شاملًا.
فنزويلا، عودة منطق الهيمنة الأميركية خارج القانون الدولي
تكتسب فنزويلا أهمية مضاعفة لامتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، تشكل النظام الدولي على أسس أحادية القطبية، تمركزت فيها القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية بيد الولايات المتحدة. هذا التفوق لم يُترجم فقط في إدارة العلاقات الدولية، بل في فرض قواعد اللعبة، حيث باتت الدول الأخرى أمام خيارين: التكيف مع السياسات الأميركية أو مواجهة العزلة والعقوبات وربما التدخل العسكري. وفي هذا السياق، لم يكن القانون الدولي دائماً مرجعية حاكمة بقدر ما كان أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح وتهمل حين تعيقها.

 

تندرج فنزويلا وأميركا اللاتينية عموماً ضمن ما تعتبره واشنطن مجالاً حيوياً لأمنها القومي، وهو تصور تاريخي يعود إلى مبدأ مونرو، ويقوم على رفض أي نفوذ خارجي منافس في نصف الكرة الغربي.

 

وتكتسب فنزويلا أهمية مضاعفة لامتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فضلاً عن موقعها الجغرافي القريب من السواحل الأميركية، ما يجعل مسارها السياسي والاقتصادي عاملاً مؤثراً في أمن الطاقة الأميركي.

 

الضربة الأميركية التي نفذت في 3 كانون الثاني/ يناير 2026، وأفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، أعادت إلى الواجهة نمطاً مألوفاً من التدخلات الأميركية خارج إطار الشرعية الدولية.

 

فالتاريخ القريب حافل بأمثلة مشابهة، من بنما وغرينادا إلى تشيلي ونيكاراغوا، حيث استخدمت القوة العسكرية أو الدعم غير المباشر لإعادة تشكيل أنظمة سياسية لا تتوافق مع المصالح الأميركية، غالباً دون تفويض أممي صريح.

 

 

الخطاب الأميركي الرسمي ركز على مكافحة المخدرات واستعادة الديموقراطية، إلا أن هذه المبررات تبدو أقرب إلى الغطاء السياسي منها إلى الدافع الحقيقي. فجوهر التدخل يتمثل في تقليص نفوذ روسيا والصين وإيران في أميركا اللاتينية، وإعادة فتح قطاع الطاقة الفنزويلي أمام الشركات الغربية، بما يضمن لواشنطن نفوذاً طويل الأمد يتجاوز منطق الأزمات المؤقتة.

 

ردود الفعل الدولية عكست انقساماً مألوفاً. أوروبا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، عبّرت عن قلقها من استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي، داعية إلى حل تفاوضي يحترم سيادة فنزويلا، لكنها في الوقت نفسه تجنبت صداماً مباشراً مع واشنطن. أما روسيا والصين، فرفضتا التدخل رسمياً، لكن بنبرة حذرة تعكس إدراكهما لحدود المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، واكتفتا بتأكيد مبادئ السيادة والاستقرار.

 

في أميركا اللاتينية، تباينت المواقف بين الحذر، والدعم المحدود، والامتناع، ما يعكس هشاشة التوافق الإقليمي أمام الضغوط الأميركية. ومع اعتقال مادورو، تدخل فنزويلا مرحلة عدم استقرار مفتوحة على سيناريوهات متعددة، أبرزها إعادة ترتيب داخلية للنظام عبر تفاهمات تدريجية مع واشنطن، أكثر من كونه تغييراً دموياً شاملًا.

 

تعكس الضربة الأميركية على فنزويلا عودة واضحة لمنطق الهيمنة أحادية القطب، حيث تقدم المصالح الاستراتيجية على حساب القانون الدولي، وتعاد صياغة مفاهيم الشرعية وفق موازين القوة، لا وفق قواعد النظام الدولي المعلن.

 

*باحث في الأمن والإرهاب ـ بون

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.


الأكثر قراءة

العالم العربي 1/6/2026 4:21:00 PM
هناك لقاء مرتقب غداً الأربعاء بين وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو والمبعوث الأميركي لسوريا توم باراك
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
النهار تتحقق 1/5/2026 2:13:00 PM
بدا الشرع في الصورة مغمض العينين، بينما تمدد على سرير مستشفى، ووضع له أنبوب للتنفس.