القرار الأخطر في تاريخ النظام الإيراني

آراء 05-01-2026 | 12:45

القرار الأخطر في تاريخ النظام الإيراني

تتجاوز العقوبات المفروضة على إيران 550 عقوبة اقتصادية ومالية وتجارية
القرار الأخطر في تاريخ النظام الإيراني
حركة المرور على الطريق السريع غرب طهران (أ ف ب)
Smaller Bigger

"حين تعجز الدولة عن تحويل القوة إلى رفاه، تتحول القوة نفسها إلى عبء يسرّع الانهيار"... من أدبيات الاقتصاد السياسي للدول الريعية.

على امتداد أكثر من أربعة عقود، خاضت إيران معركة طويلة مع العقوبات الاقتصادية، لم تكن في جوهرها مجرد إجراءات ضغط مالي، بل مساراً تراكمياً استنزف بنية الدولة وقدرتها على المناورة. ومع عودة دونالد ترامب إلى الحكم، وعودة آلية “سناب باك” للعقوبات خلال الاشهر الماضية، انتقلت هذه المواجهة من مرحلة الاحتواء البطيء إلى مرحلة الخنق المنهجي، حيث لم تعد العقوبات تكتفي بتقييد الموارد، بل باتت تستهدف شرايين التمويل ذاتها.

اليوم، تتجاوز العقوبات المفروضة على إيران 550 عقوبة اقتصادية ومالية وتجارية، شملت المصارف، الطاقة، الشحن، التأمين، والتحويلات. ومع تصاعد الجهد الأميركي والغربي لمكافحة "الأسطول البحري الشبحي" الإيراني في أعالي البحار، لم يعد التهريب حلاً مستداماً. وآخر فصول هذا المسار كان توقيف أكبر ناقلة نفط إيرانية في فنزويلا، في رسالة واضحة مفادها أن حتى الهوامش البعيدة جغرافياً لم تعد آمنة.

ثم جاءت حرب الأيام الاثني عشر، لتشكّل نقطة انعطاف نوعية. لم تكن الحرب مجرد جولة عسكرية، بل ضربة مركّبة للبنية الصناعية والعسكرية الإيرانية، حيث جرى تدمير مصانع ومنشآت حساسة، ما فرض على طهران سباقاً محموماً لإعادة البناء. سارعت إيران إلى ضخ أموال ضخمة لإصلاح الأضرار، في وقتٍ كانت فيه أصلاً تعاني من شلل اقتصادي وتراجع حاد في العملة واحتقان اجتماعي واسع.

بالتوازي، حاولت إيران تعويض الخلل الاستراتيجي عبر السعي إلى شراء طائرات حربية وأنظمة دفاع جوي من الصين وروسيا، في محاولة لردم الفجوة التي كشفتها الحرب. غير أن هذه المحاولات، بدل أن تخفف الضغط، زادت العبء المالي، إذ باتت الموارد القليلة المتاحة تُوجَّه بالكامل نحو متطلبات الحرب والاستعداد لها، على حساب الاقتصاد الداخلي، والقطاع الخاص، والطبقات الوسطى والفقيرة.

هنا، يصل النظام الإيراني إلى ما يمكن وصفه في علم الاجتماع السياسي بـ”نقطة الانتحار البنيوي”: لحظة يفقد فيها النظام القدرة على تقديم حلول اقتصادية حقيقية، ويعجز في الوقت نفسه عن تغيير سلوكه السياسي. إيران اليوم لا تملك أدوات فعّالة لوقف الانهيار الاقتصادي. فهي غير قادرة على طمأنة التجار أو المستثمرين أو الطبقات الغنية بأن هناك "مخرجاً سحرياً" في الأفق. الثقة مفقودة، والعملة منهكة، والأسواق تعمل تحت ضغط الخوف لا التوقع.

هل تملك إيران المال؟ نعم، تمتلك. لكن السؤال الأهم: أين يُستخدم هذا المال؟ الأموال المتبقية ليست مخصّصة لإنعاش الاقتصاد أو تحسين معيشة الناس، بل لحماية "قلب النظام" في حال الحرب، ولمنع الانهيار السريع في سيناريو الاستنزاف الطويل. إنها أموال الطوارئ الوجودية، لا أموال الإصلاح. ومن هنا، يصبح استخدامها لمعالجة الانهيار الاقتصادي شبه مستحيل، لأن ذلك يعرّي النظام أمام أي صدمة عسكرية أو أمنية مفاجئة.

في هذا السياق، يجد النظام الإيراني نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما. الخيار الأول: توقيع ما يشبه اتفاقية استسلام مع الولايات المتحدة، تقوم على القبول الكامل بالشروط الأميركية، وفي مقدمتها وقف المشروع النووي، وعدم تخصيب اليورانيوم داخل إيران، مقابل الإفراج عن جزء من الأموال المجمّدة، بما يسمح للنظام بالتقاط أنفاسه مؤقتاً. هذا الخيار ينقذ الاقتصاد جزئياً، لكنه يضرب الأساس الأيديولوجي للنظام.

أما الخيار الثاني، فهو الاستمرار في المسار الحالي، أي المراهنة على الصمود، ما يعني عملياً السير نحو انهيار اقتصادي أعمق، مع ما يحمله ذلك من تفكك اجتماعي، واحتجاجات ستكبر للتحول الى ثورة، وتآكل شرعية الدولة من الداخل.

إيران اليوم ليست أمام أزمة عابرة، بل أمام مأزق تاريخي. فحين تتحول كل الموارد إلى وقود للحرب، يصبح السلام مكلفاً، لكن الحرب أكثر كلفة. وفي هذا التوازن القاتل، لا يبدو أن النظام يملك ترف الوقت أو الخيارات.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/9/2026 2:39:00 PM
إعادة الإعمار، وتأمين التمويل له، على أي نحو كان، بأي توجه، سيبقى منوطاً، بتشكيل "مجلس السلام"، كهيئة إشرافية، أو بالأحرى وصائية.
المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/9/2026 9:06:00 AM
الجيش السوري: دخول حافلات إلى حي الشيخ مقصود في حلب لنقل مقاتلي قوات "قسد" إلى مناطق شرق الفرات
المشرق-العربي 1/9/2026 2:05:00 PM
كانت قوات سوريا الديموقراطية "قسد" تسيطر عليهما قبل العملية الأخيرة، مع العلم أن المنطقتين يعتبران جيباً منفصلاً عن مناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا.