هل يدقّ البازار مسمار النّعش الأخير؟

آراء 06-01-2026 | 06:17

هل يدقّ البازار مسمار النّعش الأخير؟

ما تشهده إيران اليوم من اتساع رقعة الاحتجاجات، وسقوط قتلى وجرحى من الطرفين، واعتقالات واسعة، يُعد الأكبر منذ حركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، لكن الفارق الجوهري لا يكمن في العدد وحده، بل في المصدر.
هل يدقّ البازار مسمار النّعش الأخير؟
من الاحتجاجات في ايران.
Smaller Bigger

عندما يخرج البازار الإيراني إلى الاحتجاج، فالأمر يتجاوز كونه فعلاً اقتصادياً أو ردّ فعل معيشياً عابراً. البازار، في التاريخ السياسي الإيراني، ليس طبقة اجتماعية فحسب، بل مؤسسة سياسية غير مكتوبة، لعبت دور الوسيط الصامت بين الدولة والمجتمع، ووفرت عبر عقود طويلة شبكة أمان غير مرئية للاستقرار. لذلك، فإن خروجه عن الصمت لا يُقرأ بوصفه غضباً آنياً، بل باعتباره خلخلة في إحدى ركائز التوازن التقليدي داخل النظام.


ما تشهده إيران اليوم من اتساع رقعة الاحتجاجات، وسقوط قتلى وجرحى من الطرفين، واعتقالات واسعة، يُعد الأكبر منذ حركة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، لكن الفارق الجوهري لا يكمن في العدد وحده، بل في المصدر.

 

الشرارة هذه المرة خرجت من السوق، لا من الهامش، ومن الحسابات اليومية لا من الأسئلة الوجودية الكبرى. أزمة اقتصادية خانقة، بلغ فيها التضخم أكثر من 40% في كانون الأول/ديسمبر، تحت وطأة عقوبات طويلة أنهكت طهران، وجعلت الاحتجاج حقاً مشروعاً قبل أن يكون موقفاً سياسياً. ومع تمدد الغضب إلى الطلاب وشرائح اجتماعية مختلفة، وانتقاله بين  مدن عدة، بدا واضحاً أن ما يجري ليس انفجاراً معزولاً، بل مسار يتسع بثبات.


استجابة السلطة جاءت سريعة، لكنها كاشفة. إقالة محافظ البنك المركزي، وتوجيه الرئيس مسعود بزشكيان وزير الداخلية للاستماع إلى "المطالب المشروعة"، ثم تعيين عبد الناصر همتي خلفاً لمحمد رضا فرزين، وما رافقها من تحسن موقت في سعر الريال، كلها خطوات تشير إلى محاولة احتواء المشهد أكثر مما تعكس قدرة على معالجته جذرياً. بزشكيان الإصلاحي الذي قُدم بوصفه وجهاً أقل صدامية، يجد نفسه اليوم أمام اختبار لم يُنتخب لأجله: إدارة أزمة لا يمكن حلّها بل فقط تأجيل انفجارها، فالتحسن الموقت للعملة لا يرمم ما تهدّم في الثقة، ولا يعيد للبازار دوره القديم كحليف صامت يبتلع الغضب حفاظاً على الاستقرار.


وهنا يبرز السؤال الأخطر: كيف فقد النظام حليفه الصامت؟ الفرق بين احتجاج الشارع واحتجاج السوق ليس في الشكل، بل في المعنى. الشارع يمكن تفريقه، وتأطيره، وحتى إنهاكه. أما السوق، فإذا احتج، فهو يعلن أن معادلة المنفعة المتبادلة قد اختلّت، وأن الصبر لم يعد استثماراً عقلانياً. تاريخياً، كان البازار جزءاً من منظومة الاستقرار لأنه رأى في الدولة ضماناً لدوام الحركة الاقتصادية، وحينما يختل هذا الضمان، لا يعود الصمت فضيلة، بل خسارة مؤجلة.


في موازاة هذا المشهد الداخلي، تبرز قراءة خاطئة راهنت عليها تل أبيب وواشنطن في مرحلة سابقة: الضربات العسكرية والضغط الخارجي قادران على دفع الشارع الإيراني للانقلاب على نظامه. الضربة الإسرائيلية الأخيرة، وما سبقها من تصعيد، لم تُنتج الأثر المتوقع. بل على العكس، كرست درساً بات واضحاً في الحسابات الإقليمية: النظام الإيراني لا ينهار من الخارج. الداخل وحده هو سر الانهيار، إن وقع. وهذا ما تعلمته العواصم المعنية بعد تجارب طويلة من العقوبات والتهديدات والضربات المحدودة.


في الأثناء، دخل دونالد ترامب على الخط بتغريدة تهديدية، أعلن فيها استعداده للتدخل إذا تعرض المتظاهرون للقمع. لكن قراءة هذا الموقف خارج سياقه الشخصي والسياسي تُفضي إلى خطأ تحليلي. ترامب لا يدافع عن حقوق المتظاهرين، ولا يحمل مشروعاً أخلاقياً لحماية الشارع الإيراني. الرجل ذاته تعامل مع احتجاجات في بلاده، رُفعت فيها شعارات "لا ملوك بعد اليوم"، بلا اكتراث، ورد عليها بمقطع مصنوع بالذكاء الاصطناعي يسخر من الفكرة ذاتها، وأي سخرية كانت! تهديده هنا ليس دفاعاً عن المتظاهرين بكل تأكيد، فالرجل لا يؤمن بالاحتجاج كقيمة، بل كأداة. وما يقوله عن إيران ليس انحيازاً للشارع، بل توظيف له.


الدور الأميركي هنا ليس بريئاً، لكنه انتهازي–استراتيجي، يرى في لحظة الارتباك الداخلي فرصة لإعادة خلط الأوراق. التهديد بالتدخل، حتى وإن صيغ بلغة “حماية المدنيين”، يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة: ضربة محدودة، أو سلسلة ضربات محسوبة، تُقدم بوصفها ردعاً لا حرباً، ورسالة لا اجتياحاً.

 

الولايات المتحدة تدرك أن النظام الإيراني لا ينهار بضربة واحدة، لكنها تدرك أيضاً أن الضربات الذكية، حين تتزامن مع إنهاك داخلي، قادرة على تسريع التآكل.


هنا يكمن جوهر الحساب الأميركي–الإسرائيلي: ليس الرهان على انقلاب الشارع فحسب، بل على إرباك الدولة.


لكن المفارقة أن هذا النوع من التدخل يحمل في طياته مخاطرة مضاعفة. فكما أثبتت التجربة، كلما جاء الضغط من الخارج فظاً ومباشراً، منح النظام الإيراني فرصة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية تحت عنوان السيادة والتهديد الوجودي. لذلك، فإن أي ضربة أميركية، مهما كانت محدودة، قد تُسرّع التآكل، لكنها قد تؤجل الانفجار أيضاً، عبر إعادة إنتاج شرعية أمنية موقتة.


ولا تحدثني عن الحلفاء، فالإجابة أكثر بروداً حتى الوجع. فإيران لا تستطيع التعويل عليهم لحسم مصيرها الداخلي. روسيا، رغم وصول طائراتها إلى مطار طهران، وما تحمله من دعم لوجستي وتقني محدود، لن تضحي بصفقة أوكرانيا أو تفتح مواجهة مع واشنطن من أجل إيران. موسكو تحسب مصالحها بميزان دقيق، وتدرك أن دعماً محسوباً أفضل من تورط مكلف. الصين بدورها، الغارقة في مشروعها التوسعي الاقتصادي، لن تعادي "العم سام" من أجل نظام الملالي. بكين تفضل إيران مستقرة، لكنها لن تدفع ثمناً سياسياً أو اقتصادياً دفاعاً عنها.


وهكذا، تبدو إيران اليوم وحيدة أمام اختبار داخلي بالغ الحساسية. طهران على حافة مفصلية، ولكن، حين يفشل الخارج في كسر الدولة، ويحتج الداخل الذي طالما حمى الاستقرار، يصبح السؤال الأخطر: هل ما زالت إيران قادرة على إعادة تعريف الاستقرار بوصفه معنى يُقنع، لا عبئاً يُحتمل؟
ذلك هو السؤال الأصعب، والأكثر صدقاً.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/6/2026 4:21:00 PM
هناك لقاء مرتقب غداً الأربعاء بين وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو والمبعوث الأميركي لسوريا توم باراك
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
النهار تتحقق 1/5/2026 2:13:00 PM
بدا الشرع في الصورة مغمض العينين، بينما تمدد على سرير مستشفى، ووضع له أنبوب للتنفس.