إقفال آخر شاهد على الصحافة الحربية التي كتبت مأساتها للعالم
زياد سامي عيتاني
في زاوية من شارع الحمراء، حيث تتقاطع ذكريات الماضي مع واقع الحاضر القاسي، يستعد فندق الكومودور لإطفاء أنواره للمرة الأخيرة. ليست هذه المرة الأولى التي يُغلق فيها هذا الفندق الأسطوري أبوابه، لكنها المرة التي تحمل معنى مختلفاً، أعمق، وأكثر حزناً.
هذا المبنى ليس مجرد فندق. إنه شاهد على حقبة كاملة، أرشيف حي لتاريخ لبنان المعاصر، ورمز لعصر الصحافة الحربية الذهبي. مكان شهد سياسيين وصحافيين وجواسيس، حكايات ومؤامرات، موتاً وحياة، رعباً وضحكاً يخفي الألم.
•البدايات المتواضعة
لم يكن أحد يتوقع عام 1970، حين اشترى الفلسطيني يوسف نزال هذا الفندق المتواضع من سبع طوابق، أن هذا المكان سيصبح يوماً مركز الأعصاب للصحافة العالمية. اشتراه نزال، ذلك الشاب المليونير العربي صاحب الرؤية الثاقبة، من أخوين لبنانيين غارقين في ديون القمار، يائسين يبحثان عن أي مخرج.
كان الكومودور آنذاك مجرد فندق بسيط يستقبل المسافرين ذوي الميزانية المحدودة، في زقاق خلفي بعيد عن الفنادق الفخمة على كورنيش بيروت التي كانت تستقبل النجوم والساسة ورجال الأعمال. كانت بيروت في تلك الفترة تعيش عصرها الذهبي. لم يكن أحد يتخيل أن هذه المدينة الجميلة ستتحول بعد خمس سنوات فقط إلى ساحة حرب دموية.
•الملاذ الآمن في الحرب
في عام 1975، اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية كالنار في الهشيم. فنادق الكورنيش الفاخرة؛ الهوليداي إن الشامخ، الفينيسيا الأنيق، سان جورج التاريخي، تحولت إلى مواقع عسكرية وساحات قتال. القناصون احتلوا الطوابق العليا، القذائف دمرت الواجهات الزجاجية، والنيران التهمت الأثاث الفاخر. لم يعد هناك مكان آمن للصحفيين الذين بدأوا يتدفقون على بيروت لتغطية هذا الصراع المعقد.
في تلك اللحظة بالذات، ظهر الكومودور كملاذ غير متوقع. موقعه الاستراتيجي في عمق بيروت الغربية، محاطاً بمباني أطول تتحمل وطأة القصف المدفعي، جعل منه جزيرة آمنة نسبياً وسط بحر من الفوضى. المباني المحيطة كانت بمثابة درع طبيعي يحمي الكومودور من القذائف العشوائية.
•يوسف نزال: العبقري الذي فهم اللعبة
هنا تبدأ القصة الحقيقية ليوسف نزال، الرجل الذي لُقب لاحقاً بـ”عراب الصحافة الدولية”. لم يكن نزال مجرد صاحب فندق يستفيد من الظروف، بل كان رجلاً يفهم بعمق ما تعنيه الحرب وما يحتاجه الصحفيون.
أدرك نزال بذكاء استثنائي أن الصحفيين لا يحتاجون فقط إلى سرير آمن وطعام جيد. ما يحتاجونه أولاً وقبل كل شيء هو الاتصالات. في عصر ما قبل الإنترنت والهواتف الخلوية، كانت أجهزة التلكس وخطوط الهاتف الدولية هي شريان الحياة لأي صحفي. بدونها، لا قيمة لأي خبر أو صورة أو تحقيق.
حافظ نزال على خطوط التلكس والهاتف الدولية مهما اشتدت المعارك. كان يستخدم علاقاته، يتفاوض مع جميع الأطراف. وفي صيف 1982، في ذروة الحصار الإسرائيلي لبيروت، قام بواحدة من أجرأ مناوراته: دفع مبالغ ضخمة لفصل جهاز التلكس الخاص برئيس الوزراء شفيق الوزان نفسه من مكتب البريد المركزي، وتوصيل جهاز الكومودور بدلاً منه.
تحول الفندق البيروتي العريق إلى مساحة لقاء لصحافيين أجانب ولبنانيين وعرب، وإلى “وزارة اتصالات” مع كل قوى الأمر الواقع إبان الأزمات الكبرى. كان يوفر الكثير من التسهيلات من شبكة اتصالات دولية ومحلية، فضلاً عن شبكة من اللبنانيين الذين كانوا يتطوعون لمرافقة الوفود الصحافية: مترجمون وسائقون ومن يتولون الأمور اللوجستية وتأمين التصاريح للعبور عبر خطوط التماس بين غرب العاصمة وشرقها، ونحو الجنوب والشمال والبقاع، وأيضاً إلى سوريا.
كان نزال يحب الجلوس على الأريكة الزرقاء في الردهة عند موعد تسليم الأخبار. تلك اللحظة المقدسة في نهاية اليوم حين يرسل الصحفيون تقاريرهم، ويستمع إلى السيمفونية الميكانيكية لأجهزة التلكس وهي تعمل في وقت واحد. كان صوت الآلات الكاتبة وطقطقة التلكس موسيقاه المفضلة.
•“قهوة الأخبار” - البار الأسطوري
البار الشهير الذي عُرف بـ”قهوة الأخبار” كان أشهر معالم الكومودور. هناك، كان ليل الصحافيين يتصل بنهارهم وهم يكتبون ويصورون ويشربون ويرقصون ويغنون ويدخنون. كانت “قهوة الأخبار” تجسد حقبة من عمر الأوتيل، وجدرانها تمتلئ بصور من زمن صحفي ولّى.
هناك، كان الصحفيون يجتمعون لتبادل المعلومات والقصص، للشرب حتى النسيان، للضحك بصوت عالٍ على مواقف مرعبة مروا بها في النهار. كان البار هو المكان الذي يتحول فيه الخوف إلى أدرينالين، والأدرينالين إلى قصص، والقصص إلى أساطير.
•الحياة اليومية بين الموت والكوكتيلات
“هل تفضل جهة المدفعية أم جهة السيارات المفخخة؟” هكذا كان موظفو الاستقبال يسألون الضيوف الجدد حين يسجلون في الفندق. لم يكن السؤال مزحة، بل واقع يومي قاسٍ. كل خيار له مخاطره الخاصة، وعلى الضيف أن يختار طريقة موته المحتملة.
في الطوابق العليا، كانت الغرف ممتلئة بالصحفيين من كل أنحاء العالم. أميركيون، بريطانيون، فرنسيون، ألمان، يابانيون، إيطاليون. كانوا يستيقظون على صوت القذائف، يتناولون إفطاراً سريعاً، ثم يخرجون إلى الشوارع الخطرة بحثاً عن القصص. البعض كان يعود في المساء، والبعض الآخر لم يعد أبداً.
"كوكو" الببغاء الذي رأى الحرب
في قفص بجوار البار، عاش أشهر نزلاء الكومودور على الإطلاق: “كوكو”، الببغاء الأفريقي الرمادي المملوك للصحفي البريطاني كريس دريك. عاش “كوكو” في الفندق لعشر سنوات كاملة، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من أسطورة المكان.
كان “كوكو” قد تعلم لغة الحرب. كان يقلد بدقة مرعبة صفير القذائف القادمة، ذلك الصوت الذي يجعل قلبك يتوقف للحظة. مرات عديدة، أرسل “كوكو” الصحفيين والنوادل للغطس تحت الطاولات قبل أن يدركوا أن الصوت يأتي من الببغاء وليس من قذيفة حقيقية. لكنه كان أيضاً يصفر افتتاحية سيمفونية بيتهوفن الخامسة بإتقان، والنشيد الوطني الفرنسي “المارسيليز”. كان “كوكو” يلخص تناقضات الحياة في الكومودور: الموت والجمال، الرعب والفن، الحرب والحياة.
•صيف 1982: الجحيم الحقيقي
في السادس من حزيران 1982، غزت إسرائيل لبنان فيما سمته “عملية سلامة الجليل”. العملية تحولت سريعاً إلى حصار شامل لبيروت الغربية. سبعون يوماً من القصف المتواصل. البر والبحر والجو، كلها مصادر للموت.
قُصف الفندق ثلاث مرات خلال الحصار. مرة، اخترقت قذيفة سقف الطابق الخامس ولم تنفجر، معجزة صغيرة في بحر من الدمار. ومرة سقطت قذيفة في المسبح، محولة الماء الأزرق إلى حساء من الحطام والزجاج. والمرة الثالثة أصابت الجدار الخارجي، تاركة حفرة كبيرة لكنها لم تدمر الفندق.
أدركت إسرائيل أن الكومودور أصبح مشكلة. من هذا الفندق، كان الصحفيون يرسلون قصصاً وصوراً لما يحدث حقاً في بيروت. قصص عن المدنيين الأبرياء الذين يموتون، عن الأطفال المشوهين، عن المستشفيات المدمرة. هذه لم تكن الرواية التي أرادت إسرائيل للعالم أن يسمعها. في محاولة لإسكات هذا الصوت، اعتقلت القوات الإسرائيلية يوسف نزال نفسه. لكن نزال، ذلك الفلسطيني الصامد، لم ينكسر.
•روبرت فيسك: الشاهد الذي لن ينسى
من بين جميع الصحفيين الذين مروا بالكومودور، كان روبرت فيسك، مراسل صحيفة التايمز البريطانية، واحداً من أشهرهم وأكثرهم تأثيراً. عاش فيسك في الكومودور لسنوات، وأصبح الفندق بيته الثاني.
كتب فيسك أن الكومودور كان ضرورياً لتغطية الغزو الإسرائيلي بشكل جيد. لم يكن هذا مبالغة. الكومودور وفر ما لم يكن متاحاً في أي مكان آخر: الأمن النسبي، الاتصالات، القرب من الأحداث، والأهم من ذلك، الوصول إلى الناس والقصص.
•مجازر صبرا وشاتيلا التي لن تنساها بيروت
في 16 أيلول 1982، دخلت ميليشيات، بدعم وتسهيل من القوات الإسرائيلية، إلى مخيمي اللاجئين الفلسطينيين صبرا وشاتيلا. على مدى ثلاثة أيام، ارتكبت واحدة من أبشع المجازر في تاريخ المنطقة.
كان الكومودور قريباً من المخيمات، وهذا أعطى الصحفيين ميزة الوصول السريع. روبرت فيسك كان من أوائل الصحفيين الذين دخلوا المخيمات. ما رآه لن ينساه أبداً. في تقاريره، وصف فيسك مشاهد مروعة من الجثث المتراكمة والرائحة الكريهة التي ملأت المكان.
عاد فيسك وزملاؤه إلى الكومودور وهم في حالة صدمة. لكن كان عليهم الكتابة. كان عليهم أن يخبروا العالم. جلسوا أمام آلاتهم الكاتبة، وأيديهم ترتجف، ووصفوا ما رأوه. والعالم قرأ، وصُدم، وغضب.
لولا الكومودور، لولا قربه من المخيمات، لولا الصحفيون الشجعان الذين كانوا يقيمون فيه، ربما لم يعرف العالم بهذه السرعة عن المجزرة.
•منتصف الثمانينيات: عصر الاختطافات والإغلاق الأول
بدأ الوضع يتغير بشكل خطير ابتداءً من عام 1984. موجة جديدة من العنف ظهرت تمثلت بالاختطافات. جماعات متطرفة بدأت حملة ممنهجة لاختطاف الأجانب في بيروت، خاصة الأميركيين والبريطانيين.
في 16 آذار 1985، كان تيري أندرسون، كبير مراسلي وكالة أسوشييتد برس، في طريقه إلى ملعب التنس بعد مغادرته فندق الكومودور. فجأة، أوقفته سيارة، نزل منها رجال ملثمون مسلحون، جروه من سيارته. اختفى تيري أندرسون. بحلول نيسان 1986، كان 30 أجنبياً محتجزين كرهائن في بيروت.
أُقفل الكومودور أبوابه في منتصف الثمانينيات بعد موجة خطف الصحافيين والرهائن الأجانب. الكومودور، ذلك الملاذ الآمن، لم يعد آمناً. بدا وكأن حقبة كاملة قد انتهت.
•عودة الحياة ما بعد الحرب
مع انتهاء الحرب الأهلية، عاد الكومودور واستعاد روحه، كما المدينة التي طبعته. ظل رمزاً لشارع الحمراء النابض، محاطاً بالمحلات والمطاعم الشعبية، سائقي التاكسي، بائعي القهوة والخضار والهدايا التذكارية. فندق شاهد على ذكريات وحكايات ومؤامرات عاد للحياة من جديد.
•عندما فقد الكومودور روحه
لكن مع بدء الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان، فقد الأوتيل كل الصخب والحيوية اللتين طبعتا يومياته طوال عقود. بات فندقاً يحتضر، كالعشرات من أقرانه من فنادق العاصمة ولبنان، تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية ضربت لبنان في الأشهر الأخيرة، وجاءت جائحة كورونا لتزيد من ثقل هذه التأثيرات.
حتى بهو الفندق المعتم نسبياً كان يشي بأن شيئاً سيئاً قد حصل أو سيحصل. عتمة تُذكر بعتمة الملجأ إبان سنوات الحرب الأهلية، مع فارق جوهري أنك تقيم في أحد أعرق فنادق بيروت. النزلاء تستطيع تعدادهم إلى درجة أنك تستطيع أن تحفظ وجوههم.
•4آب 2020: أحيا الانفجار الفندق
الكومودور الذي فقد وهجه ولم يعد يستطيع أن يحاكي تاريخه، حتى كان الانفجار المشؤوم في مرفأ بيروت.
بعد يومين من الانفجار، عادت الحياة إلى الكومودور. لكأن الانفجار قد أحيا الفندق ودوره. امتلأ المكان بصحافيين من كل أصقاع الأرض. فرق إغاثة وإنقاذ من إيطاليا وألمانيا ودول أوروبية أخرى. حركة كثيفة تشغل البهو وموظفي الاستقبال.
المطعم الذي كان مغلقاً أُعيد فتحه كما مركز رجال الأعمال. عادت الحياة إلى الكومودور. الموظفون الذين كانوا يعملون يومين أسبوعياً في زمن الكورونا، طلبت إدارة الفندق منهم أن يداوموا يومياً لخدمة الأعداد المتزايدة من النزلاء.
•هويته الحربية
طُبعت هوية أوتيل الكومودور طوال سنوات الحرب الأهلية بهوية الصحافيين الذين كانوا يتنافسون على إشغال غرفه. بعضهم كان يقيم فيه لسنوات والبعض الآخر كان يختار غرفة محددة. فندق الكومودور، وعلى الرغم من بعض زجاجه المحطم، يحيا في الأزمات.
•يحيا في الأزمات ويموت في السلم
برغم كل ما أصاب لبنان وعاصمته، بقي الكومودور عنواناً لبيروت. لشارع الحمراء. للمحلات والمطاعم الشعبية المحيطة به. للسائقين الذين يتحينون اللحظة لسرقة رحلة بالتاكسي. لبائعي الهدايا التذكارية في محيط الفندق. لعربات الخضار. لبائعي القهوة. لرواد المقاهي التي غاب الكثير منها ولكن دائماً كان يولد من يعوّض ولو بهوية جديدة.
الفندق الذي وُلد في أتون الحرب، لا يعرف كيف يحيا إلا في الأزمات. عنوان الصحافة الأجنبية في بيروت في زمن الأزمات والحروب لم يتبدل قط. كأن رسالته الوحيدة هي: “أنا هنا عندما تحتاجونني”.
لكن اليوم، مع إغلاقه النهائي، يُسدل الستار على أسطورة عاشت أكثر مما كان متوقعاً لها. فندق الكومودور، فندق الصحافة والصحافيين، ينبض للمرة الأخيرة.
الكومودور كان بخير كلما كانت بيروت تنزف. اليوم، حين يموت الكومودور، بيروت ليست بخير!
نبض