الصين والريادة التكنولوجية: استثمارات طويلة الأمد ترسم المستقبل
وارف قميحة*
شهد العقد الأخير صعوداً ملحوظاً للصين في المجال التكنولوجي، ليس نتيجة صدفة أو أحداث عابرة، بل ثمرة رؤية استراتيجية طويلة المدى واستثمارات متواصلة في البحث والتطوير. فقد أدركت بكين منذ سنوات أن الريادة المستقبلية لا تعتمد فقط على حجم الإنتاج الصناعي أو كثافة اليد العاملة، بل على القدرة على الابتكار وتحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية تؤثر على الاقتصاد والمجتمع مباشرة.
منذ عام 2007، بدأت الصين توسيع ميزانياتها المخصّصة للبحث العلمي والتطوير، بوتيرة تصاعدية هدفها بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا المتقدّمة. ووفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفع إجمالي إنفاق الصين على البحث والتطوير من نحو 136 مليار دولار أميركي في عام 2007 إلى حوالي 781 مليار دولار في عام 2023، أي ما يعادل زيادة خمسة أضعاف تقريباً. هذا النموّ الهائل وضع الصين في مصاف الدول الرائدة عالمياً، متجاوزة الاتحاد الأوروبي واليابان، ومقلّصة الفجوة مع الولايات المتحدة بنسبة كبيرة.

الأرقام وحدها لا تعكس الصورة كاملة، بل الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات على الصناعة والتكنولوجيا. فقد سعت الصين إلى بناء منظومة ابتكار متكاملة تربط الدولة بالجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الخاصة، ما أدى إلى تحويل المعرفة إلى منتجات قابلة للتطبيق الصناعي والتجاري. ونتيجةً لذلك، أصبح الابتكار جزءاً من الاقتصاد اليومي، لا مجرد نشاط أكاديمي أو بحثي.
يتجلى هذا التحوّل بوضوح في قطاع الروبوتات الصناعية، أحد أبرز مؤشرات التقدّم التكنولوجي. ففي عام 2024، بلغ عدد الروبوتات الصناعية في الصين نحو مليونين وسبعة وعشرين ألف وحدة، وهو رقم قياسي يمثل أكثر من نصف الطلب العالمي. كذلك تم تركيب نحو 295 ألف روبوت جديد خلال العام نفسه، محققاً نموّاً سنوياً قدره 7% مقارنة بعام 2023، وهو أعلى معدل نموّ سنوي يسجّله هذا القطاع عالمياً. يعكس هذا الانتشار التحوّل في الصناعة الصينية من الاعتماد على العمل اليدوي إلى الأتمتة والأنظمة الذكيّة، بما يعزز الكفاءة ويخفض التكاليف ويزيد القدرة التنافسية.
الذكاء الاصطناعي في الصين ليس محصوراً في المختبرات، بل امتد إلى مجالات الحياة اليومية، بما في ذلك الرعاية الصحية، والمدن الذكية، والنقل الذكي، والخدمات التعليمية، والإدارة الحكومية الرقمية. وأصبحت البيانات الضخمة والخوارزميات أدوات استراتيجية تسهم في بناء نماذج تنموية أكثر كفاءة وسرعة ومرونة، وتعزز من قدرة الصين على صياغة المستقبل الرقمي العالمي.
تظهر تجربة الصين أن الاستثمار الطويل الأمد في البحث والتطوير والابتكار ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية. فقد أثبتت أن السياسات المتواصلة والمنهجية التي تربط المعرفة بالتطبيق العملي، وتمكن القطاع الخاص والشركات الناشئة، قادرة على تحويل دولة صناعية إلى قوة تكنولوجية عالمية مؤثرة.
اليوم، لا تُعد الصين مجرد لاعب في السباق التكنولوجي، بل أحد أهم من يساهمون في تحديد مسار التطوّر التكنولوجي العالمي، مستفيدة من استثماراتها المستمرة في الابتكار والبحث العلمي، ومثبتة أن التخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد يمكنه أن يصنع الفارق في عالم سريع التغير.
* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض