سوريا والصين... تقارب تصنعه المصالح

آراء 18-11-2025 | 03:58

سوريا والصين... تقارب تصنعه المصالح

رغم أن التعاون بين البلدين ليس وليد اللحظة، إلا أن الظروف الحالية تمنح العلاقة بين الصين وسوريا فرصة نادرة للارتقاء إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إذا أحسن الطرفان قراءة مصالحهما المتبادلة وإدارة التحديات التي تقف في طريقهما.
سوريا والصين... تقارب تصنعه المصالح
تمثل الصين بوابة مهمة لدمشق نحو إعادة الإعمار
Smaller Bigger

في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تبحث سوريا عن مسارات جديدة تعيد من خلالها بناء علاقاتها الإقليمية والدولية على أسس أكثر اتزاناً وواقعية. وفي قلب هذه التحولات تبرز الصين بصفتها شريكاً محتملاً يمكن أن يلعب دوراً محورياً في تشكيل ملامح سوريا الجديدة، سواء اقتصادياً أو سياسياً أو أمنياً.

ورغم أن التعاون بين البلدين ليس وليد اللحظة، إلا أن الظروف الحالية تمنح هذه العلاقة فرصة نادرة للارتقاء إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إذا أحسن الطرفان قراءة مصالحهما المتبادلة وإدارة التحديات التي تقف في طريقهما.

بالنسبة الى دمشق، تمثل الصين بوابة مهمة نحو إعادة الإعمار، ليس من خلال الاستثمارات والمشاريع في البنية التحتية والطاقة والقطاع الصناعي فحسب، بل أيضاً عبر الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق وما تحمله من فرص اقتصادية طويلة المدى.

كما ترى سوريا في بكين شريكاً دولياً يمكن التعويل عليه لتخفيف الضغوط الغربية وفتح مسارات جديدة للتواصل مع الأسواق العالمية.

 فالتجربة الصينية في التنمية، وقدرتها على تمويل مشاريع كبرى من دون اشتراطات سياسية مباشرة، تمثل نموذجاً جاذباً لبلد يسعى للخروج من سنوات الحرب بأقل الأكلاف وأكبر قدر من الاستقلالية.

أما الصين، فترى في سوريا موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية ضمن خارطة الشرق الأوسط. فاستقرار سوريا يعني استقراراً لحزام الطاقة والنقل الذي تخطط له بكين في المنطقة، كما يمنحها موطئ قدم إضافياً في مساحة كانت تاريخياً مجالاً للتنافس بين موسكو وواشنطن.

وبعيداً من الاقتصاد، تبحث الصين أيضاً عن تعاون أمني مع دمشق يحد من المخاطر المرتبطة بوجود مقاتلين من أقلية الإيغور داخل الأراضي السورية، وهو ملف تعتبره بكين حساساً ومرتبطاً بأمنها القومي المباشر. ومن هنا يأتي سعيها إلى تنسيق أكبر مع السلطات السورية لضبط هذه المسألة ومنع تداعياتها المستقبلية.

ورغم التقاطع الواضح في المصالح، فإن العلاقة بين الطرفين ليست بلا تحديات. فوجود مقاتلين إيغور في سوريا يشكل عاملاً معقداً لا يمكن تجاهله، وقد يدفع الصين إلى الانخراط بحذر أكبر خشية الانجرار إلى ملفات أمنية شائكة.

في المقابل، تدرك دمشق أن أي تقارب كبير مع بكين سيجعلها دائماً تحت مجهر واشنطن والغرب، خصوصاً في مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم لموازين القوى.

وقد ينظر إلى انفتاح سوري أوسع على الصين بوصفه تحدياً إضافياً للنفوذ الغربي، مما قد يفتح الباب أمام ضغوط أو عقوبات جديدة، أو على الأقل مراقبة دقيقة لأي تطور في العلاقات بين البلدين.

ورغم هذه الحسابات المعقدة، تبدو الشراكة السورية – الصينية مرشحة للنمو، لأنها تستند إلى مصالح واقعية أكثر مما تستند إلى شعارات. دمشق تحتاج إلى شريك قادر على الاستثمار من دون حمولة سياسية ثقيلة، وبكين تبحث عن حضور مستقر في الشرق الأوسط ينسجم مع طموحاتها العالمية.

 النجاح في بناء هذه المعادلة يتطلب من الطرفين إدارة هادئة لمحاور الخلاف، ووعياً بأن العالم يتجه نحو تعددية قطبية تتيح مساحات أوسع للدول الصغيرة والمتوسطة كي تنسج علاقاتها على أساس المصلحة لا الاصطفاف.

يبقى القول، أن العلاقة بين سوريا والصين قد تكون إحدى أهم أوراق سوريا الجديدة في سعيها لاستعادة دورها الإقليمي والدولي، إذا استطاعت تحويل هذا التقارب إلى مشروع طويل الأمد، مبني على رؤية مشتركة واستثمار حقيقي في المستقبل.

 

*باحث ومستشار سياسي 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/9/2026 2:39:00 PM
إعادة الإعمار، وتأمين التمويل له، على أي نحو كان، بأي توجه، سيبقى منوطاً، بتشكيل "مجلس السلام"، كهيئة إشرافية، أو بالأحرى وصائية.
المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/9/2026 9:06:00 AM
الجيش السوري: دخول حافلات إلى حي الشيخ مقصود في حلب لنقل مقاتلي قوات "قسد" إلى مناطق شرق الفرات
المشرق-العربي 1/9/2026 2:05:00 PM
كانت قوات سوريا الديموقراطية "قسد" تسيطر عليهما قبل العملية الأخيرة، مع العلم أن المنطقتين يعتبران جيباً منفصلاً عن مناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا.