المسيح بين الموحّدين الدروز والمسيحيين: جسر المحبة الذي صمد قروناً

آراء 14-08-2025 | 10:48

المسيح بين الموحّدين الدروز والمسيحيين: جسر المحبة الذي صمد قروناً

المسيح بين الموحّدين الدروز والمسيحيين: جسر المحبة الذي صمد قروناً
البطريرك الراعي ووليد جنبلاط.
Smaller Bigger

 فاروق غانم خداج 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني 

 

في ذاكرة الموحدين الدروز، يطلّ السيد المسيح عليه السلام ليس فقط كنبيّ من أنبياء التوحيد، بل كرمز كوني للمحبة والعدل، وصوت إنساني يعبر الطوائف والزمن. تظهر في رسائل الحكمة، المرجع العقدي للموحدين، صورة المسيح مظهراً للعقل والنور الإلهي، داعياً إلى الخير والسلم، ورافضاً الظلم. ومن هذا المنطلق، لم يكن حضوره في وجدان الموحدين مجرد اعتقاد فقهي، بل أساساً ثقافياً وأخلاقياً لترسيخ العيش المشترك مع المسيحيين عبر قرون طويلة.

 

المحبة كقاعدة إيمانية

 

المسيح في الفهم الدرزي ليس غريباً عن خط النبوات الذي يربط نوحاً وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم السلام جميعاً، بل هو حلقة مضيئة تؤكد أن التوحيد لا يكتمل من دون محبة. وكما تقول النصوص المسيحية: "أحبّوا بعضكم بعضاً"، تقول الرسائل التوحيدية: "الرحمة رأس العدل، والعدل أساس الإيمان". هذا التوازي في جوهر الرسالتين جعل المسيح رمزاً جامعاً بين الموحدين والمسيحيين، يعكس قيم التعايش والتعاون بغض النظر عن الانتماء الديني.

 

تاريخ من التلاقي لا التصادم

 

في الجبل، لم يكن التعايش بين الدروز والمسيحيين شعارًا معاصرًا، بل ممارسة يومية. قرى مختلطة، أعياد يتبادل فيها الجميع التهاني، ومواسم حصاد يشارك فيها الجار جاره، مهما اختلفت العقيدة. في مثل هذا السياق، كان ميلاد المسيح مناسبة فرح مشتركة بين الموحد والمسيحي، والعيد الإسلامي مناسبة تهنئة للمسيحي كما للدرزي.

 

وبصفتي باحثًا في التاريخ الاجتماعي للجبل، أرى أن العيش المسيحي–الدرزي، خاصة في القرى الجبلية، كان صورة عن جمالية غير مصطنعة تنبع من طبيعة الناس وبساطتهم. لكن أقلامًا مغرضة حاولت مرارًا تشويه هذه العلاقة عبر تضخيم السلبيات والمشكلات، وتصوير هذين المكوّنين وكأنهما خُلِقا ليتقاتلا، فيما الحقيقة أن تاريخهم المشترك مليء بمحطات المودّة والشراكة.

 

عبد الله التنوخي: وصية تتجاوز الزمن

 

في القرن الخامس عشر، ترك الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي وثيقة أخلاقية نادرة، أوصى فيها أن تُمنح أراضٍ لعائلة مسيحية من آل سركيس، مؤكّدًا على قيم المساواة بين الزوجين، وتعليم البنات والبنين بلا تمييز، ومساعدة الجار، والتسامح في المعاملات. هذه الوثيقة، الصادرة عن أحد كبار علماء الموحدين، تجسّد عمليًا أن محبة المسيح ليست في النصوص وحدها، بل في الأفعال التي تعزّز إنسانية الإنسان.

 

ولعلّ اللافت أن هذه الوثيقة انسجمت مع روح السيد المسيح في إنجيله، حيث كان القربان الحقيقي هو خدمة الإنسان ومساندة المحتاج، بغض النظر عن انتمائه.

 

مراسلات آل جنبلاط والبابوية: سياسة بروح إنسانية

 

التلاقي الروحي وجد صداه أيضًا في السياسة عبر مراسلات تاريخية بين زعماء الموحدين والبابوية. ففي مطلع القرن السابع عشر، بعث البابا بولس الخامس رسالة إلى علي باشا جنبلاط، والي حلب وزعيم الموحدين الدروز في الشمال، يثني عليه ويسميه "أمير مملكة سورية وحاميها"، ويشيد بدفاعه عن كرامة الناس ووقوفه في وجه الظلم، متعهدًا بمؤازرته متى تيسّر.

 

بعد قرون، وجّه البابا بيوس السابع عام 1817 رسالة تقدير إلى الشيخ بشير جنبلاط، زعيم الشوف، حاثًا على مواصلة التعاون مع المسيحيين في الجبل. وقد أشار بعض المؤرخين إلى وجود مراسلات أقدم بين أحد أجداد آل جنبلاط والبابا كليمنت الثالث عشر سنة 1765، ما يعكس تاريخًا متجذرًا من التواصل والتفاهم بين الطائفتين.

 

قيم مستمرة عبر العصور

 

هذا الإرث لم يتوقف. ففي صيف 1989، وأثناء التحضير لزيارة البابا يوحنا بولس الثاني للبنان، عبّر وليد جنبلاط في تصريح لوكالة UPI  عن دعمه للزيارة، لكنه شدّد على أن تشمل كل مناطق لبنان، لا المناطق المسيحية فقط، بما فيها المناطق المختلطة أو ذات الغالبية المسلمة. يقول تصريح الوكالة: "إن رسالة البابا يجب أن تصل إلى جميع اللبنانيين بلا استثناء، فهي دعوة للسلام والوحدة."

 

هذه الدعوة حملت جوهرًا إنسانيًا يعكس روح العيش المشترك، ورغبة صادقة في أن تكون رسالة البابا لكل اللبنانيين بلا استثناء، جسرًا بين الماضي والحاضر، ومثالًا على استمرار قيم التعاون والاحترام المتبادل.

 

المسيح كجسر دائم

 

عند الموحدين، المسيح ليس شخصية من الماضي، بل حقيقة حية في الضمير الإيماني. هو المعلم الذي دعا إلى العفو، والشجاع الذي واجه الظلم بالكلمة، والنور الذي يذكّر بأن الله واحد، وأن الإنسان مكرّم. هذه الصورة جعلته رابطًا دائمًا بين التوحيد والمسيحية، بين الجبل والساحل، وبين التاريخ والراهن.

 

رسالة الحاضر من إرث الماضي

 

إن قراءة هذا التاريخ المشترك تكشف أن العلاقة بين الموحدين الدروز والمسيحيين بُنيت على ثلاثة أعمدة: الاحترام العقائدي، التعاون الاجتماعي، والتواصل السياسي. وفي قلب هذه الأعمدة يقف السيد المسيح كشخصية محورية، لا بوصفه محل خلاف لاهوتي، بل بوصفه رمزًا إنسانيًا وأخلاقيًا جامعًا.

 

إن إرث الوصايا والمراسلات، مع ممارسات الحياة اليومية في القرى المشتركة، يمنحنا صورة عن علاقة تتخطى حدود الطائفة لتصل إلى أفق الوطن. وحتى في اللحظات التي مرت فيها العلاقة بتوترات، ظلّت القاعدة هي الانفتاح، وظل الإيمان بأن الجار شريك في الأرض والمصير أقوى من كل العواصف.

 

خاتمة

 

حين نتأمل هذه السلسلة من العقيدة والممارسة، من وصية التنوخي إلى رسائل جنبلاط والبابوية، وصولاً إلى المواقف المعاصرة لزعماء الجبل، ندرك أن ما يجمع الموحدين والمسيحيين أعمق من أن تحدّه السياسة أو يفرّقه التاريخ. فالمسيح في وجدان الدروز ليس فقط نبيًا مكرّمًا، بل رمز دائم لجمال العيش المشترك، وصوت يدعو من قلب الجبل: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون".

 

إنه جسر لم تُبنِه المصالح العابرة، بل شيدته قرون من التلاقي، ومدّت أركانه المحبة التي تتجاوز العقائد لتصل إلى جوهر الإنسانية.