بين مسرحية بترا وجنوب الـ 2025... حلم واحد لا ينتزع
بالعودة ثمانية وأربعين عاماً إلى الوراء، ما زال الجنوبيون يقفون على المسرح ذاته، وإن بغياب فيروز وعاصي ومنصور عنه.
هي حكاية بترا، التي تشبه كل حكايا أهل الأرض، الذين يحلمون بالنصر، الذي لا يمكن لأحد أن ينتزع الحلم منهم كما تقول فيروز.
مريم أبو خضر
بالعودة ثمانية وأربعين عاماً إلى الوراء، ما زال الجنوبيون يقفون على المسرح ذاته، وإن بغياب فيروز وعاصي ومنصور عنه.
هي حكاية بترا، التي تشبه كل حكايا أهل الأرض، الذين يحلمون بالنصر، الذي لا يمكن لأحد أن ينتزع الحلم منهم كما تقول فيروز.
فيقفون على حدود الوطن، ويحاربون باللحم الحي لأجله.
بين بترا، الأردن، وجنوب لبنان، تختلف الجغرافيا والواقع الذي يقف خلفها، إلّا أنّ سمو الفكرة ينتقل عبر الأزمان والحدود، ويولد مع كل جيل. هي الأفكار النبيلة، المقاومات الحقّة، والرفض، تبقى لتجد بذورها في أراضٍ خصبة.
الرفض واحد بين روما والجنوب
في بترا، هناك شعب صغير، ربما أنّه دخل في عداد المنسيين، إلّا أنّه رفض وصاية روما، فقرر أن يبعث صوته بالموت والريح. ليقف الملك مخاطباً قبل إعلان الدخول في المعركة ضد الرومانيين، لتفنيد أسباب الذهاب، في مواجهة روما والدول القوية التي تتكئ بعصاها عليهم، بأنه في هذا العالم، "بلدان ترفض العبودية وبدها تربّي أطفالها عالشمس وعالحرية".
هكذا ينهي جوزيف صقر، الملك، خطابه المشحون بـ "تسقط روما"، وينطلق بجيشه.
حتى بزوغ شمس 26 كانون الثاني، فيسلّم روح الرفض بالانصياع لهزلية الواقع لجنوبيّي لبنان، فيحملون كل شحن الحرية، ويخطون جميعهم بخطوات ثابتة صوب الموت المحتم أو تحرير الأرض بدحر العدو.
يذهل العالم مشهد الجنوب، في بقعة اقتنعت بأنّ الاحتلال واقع، يجب التسليم له لأن الجغرافيا فرضته. يخلع جميع من هم حولهم، بذاتهم العسكرية، ينزلون أسلحتهم، ويصافحون.
إلّاهم.، يحملون كرامة أرضهم وحريتها ليقاوموا بها، ليدحروا العدو، بـ "هِيدي أرضنا، وبدك تنقلع".
بعد حرب دامت شهرين وستّة أيام، لم تقنع الخسائر أهل البلد، أن المقاومة عبثية، وأنه عليهم ركوب الموجة. إلّا أنّ كل ما حولهم، جعلهم متيقنين من أنّ الرضوخ يؤدي حتماً إلى الذلّ، والمقاومة تدخل الكرامة لشعبها وأرضها.
فتجلّت بهم أمنية فيروز:
"يا ريت فيي دور وحرّر هالعبيد.، إحمل السيف بإيد وبلادي بإي.."
وعنهم يجيب الوزير، نصري شمس الدين:
"الأرض لإنتِ منها، شمس وريح وشعب يقاتل عنها، والكرامة منها، والحضارة منها،
مهما تصرخ روما، وتطغى وتعصف روما، مش لح تقدر تقطف وردة منها."
وتلحقها بـ"زغيّر بلدي" الذي ما زال حتى اليوم مسوّراً بالغضب.
كلّ الخيّالة، بترا الصغيرة، أو الملك
"بترا أخدتها روما، مش لح إقبل ساوم بدم كل لراحوا، كرمال بنتي الزغيرة".
فيروز هي كلّ أمهات الشهداء، كلّ اللواتي نزلن للبحث عن فرسان ذهبوا ولم يعودوا، فيروز هي كلّ النساء اللواتي استقبلن خيّالتهم وهم عائدون من الحرب.
سرق الرومان بترا الصغيرة، وسرق العدو حياة كلّ أولئك الذين وقفوا بوجهه، والذين لم يقتنعوا بجدوى الاستسلام،
وكلّ نساء الجنوب، نزلن في ذلك الصبح، يبحثن عن أشلاء هزمت المحتلّ، يقبّلن تراب الأرض التي انتصرت، يقفن بصدور عارية لمجابهة المحتل.
وبهم ومثلهم وعنهم وعن كلّ ما يحدث، تقول فيروز:
"بترا، مشواري لنكسر بنص الطريق، حزني لباقي ع طول، بس ما لح إشتري حياتها بهزيمة شعب."
وتخاطب روما وسيّدها:
يا روما، يا سيّد روما، يا صاحب الجيش لما بيخلص، يا نهر الدم لنبعه الحرب، يلّي آثارك النهب، القتل، يا جسر الموت لبيوصل شرق وغرب، روما لح تلحقِك لعنة الشعوب المقهورة، والمدن المحروقة، لح يجي يوم، تهدّمي حالك وتنتحري، لح تتشلعي من جوا وتصير كرومك نهب الطرقات."
وعن كلّ الإيمان:
"أنا شايفه الخيل لجايي وعم تصهل بقصورك، مش هلّأ، بعد مية سنة، بعد 200 سنة،
إلا ما تدعوسك مركبات الأيام والناس الجايين، وتنكسري قدام الريح."
وهكذا استطاعت فيروز وعبقرية الرحابنة أن تبقى حيّة بمرور الزمن، أن تعود وتتجلّى في كلّ فترة، أن لا يمحوها الغياب، وتخلّد في ذاكرة الواقع والإبداع، في كلّ مرة اختاروا فيها قضية حقة لتمثيلها وتجسيدها.
نبض