"قهوة عالمفرق" مع مارجوري بيرتان…

"قهوة عالمفرق" مع مارجوري بيرتان…
صورة لفيروز.
Smaller Bigger

سارة الدّنف

 

غالبًا ما يقال بأنّ ما من صدفٍ في اللقاءات التي تجمعنا بالنّاس، وبأن خلف كلّ لقاء ترتيباً من القدر، أو رسالة مختومة نحملها في جعبتنا مدى العمر، منتظرين تمريرها لمن سيُجيد تفكيكها، ويحسن قراءتها أفضل منّا. ولعلّ أسمى اللقاءات وأكثرها "غموضاً" هي تلك الّتي تشبه علاقاتنا بفيروز؛ صباحية، وحول فنجان قهوة. 
هكذا شاء القدر أن أتعرّف شخصيًّا، إلى مارجوري بيرتان، كاتبة "فيروز، أنا أغني الإنسانية"، بعد معرفة افتراضيّة قصيرة افتعلتها صداقة مشتركة لكلتينا. وليست أيّ صداقة، بل تلك الأقرب إلى روحي.
هذه المرّة، لم يكن صوت فيروز حاضرًا في الخلفية، فالصباح باريسيّ وليس لبنانيًّا، إلّا أن فيروز قد كانت بحدّ ذاتها الرسالة الّتي قرّرت مارجوري بيرتان إطلاقها للعلن، على شكل كتاب، أو كما وصفته، "بسيرة قصصية" عن حياتها، تقدّمه لتلك الّتي ترافقها منذ سنين، حدّ تكريس عملها الأدبيّ الأوّل لها.
"لماذا فيروز؟"
 _ هل بدأت المقابلة؟ (تجيب ممازحة، قبل أن تكمل)...لأنني ببساطة، أعشق فيروز، وأستمع لأغنياتها كلّ يومٍ تقريبًا، مع القهوة اللبنانية أيضًا، هذا سبب. والسبب الآخر، الذي قد يكون أكثر أهمية، هو، الحاجة الماسّة إلى فيروز في ظلّ ما تعانيه المنطقة، خاصة بعد السابع من أكتوبر. حاجةٌ لِعَبَقٍ من الإنسانية والجمال اللّذين أمضت حياتها في الغناء لهما.
"متى بدأ هذا الولع بها؟ هل كنت تستمعين إليها منذ الطفولة؟"
_ إطلاقًا. عائلتي فرنسية بامتياز، ولم نكن نستمع لغير الأغاني الفرنسية في المنزل. لقد تطلّب الأمر أن يغرم أحدهم بي ويرسل لي أغنية "حبيتك بالصيف"، كي أكتشف فيروز، وأتعلّق إلى هذا الحدّ بموسيقاها، لدرجة أنني أحرص على أن تستمع ابنتي ذات الخمس سنوات إليها أيضًا، وأن تكون جزءًا من ثقافتها.
" لمَ قرّرتِ أن يكون أوّل كتابٍ لك مخصّصًا لها؟

_ في الحقيقة، لن أخفي عنك أنني تردّدت في تأليف هذا الكتاب في البداية، لأنني في المقام الأول، لست لبنانيّة، وكنت أخشى أن يكون في رغبتي في كتابة قصة حياة فيروز شيء من الـ"تبجّح" أو الادّعاء؛ فأنا أعلم تمامًا كلّ القدسية الّتي تحيط بها في الشرق الأوسط خاصة، والعالم أيضًا. لذلك ليس من السهل التحدّث عنها. ناهيك بأنها أيضًا شخصيّة غامضة وكتومة في ما يتعلّق بحياتها الشخصية؛ وهذا يبرز إلى أيّ مدى هي وقورةٌ ومدهشة، وهذا أكثر ما يُبهرني فيها.
لكن، رغم هذا كلّه، فقد قلت في نفسي أنّ أحدًا يجب أن يكتب عن فيروز، لقلّة الكتب، خاصّة الفرنسيّة، الّتي تناولت حياتها، عكس غيرها من أيقونات عصر الفن الجميل. ولو لم أكن أنا، لكان غيري من سيكتب عنها.
"كيف تصفين عملية الكتابة؟" 
_ أتعلمين؟ كثيرًا ما يتكرّر أن الكتابة عمل شاقٌ جدًّا، ومرهق، إلّا أنني لم أشعر بأيّ صعوبة بتاتًا أثناء الكتابة، بل كنت مستمتعة في كلّ مرحلة من عملية البحث، حتّى التدقيق في ما بعد. كلّ شيء كان سهلًا ومثيرًا للاهتمام!
" هل تواصلتِ مع فيروز شخصيًّا للحصول على بعض المعلومات؟"
_ ليس من السهل كما تعلمين الوصول إلى فيروز، لكنّني كنت على تواصل دائمٍ مع أصدقاء مشتركين زوّدوني بمعلومات دقيقةٍ عنها وعن حياتها. امتنعت بالتأكيد عن كتابة ما أرادته هي أن يبقى طيّ الكتمان احترامًا لرغبتها أوّلًا؛ فلو أرادت أن تخرج هذه المعلومات للناس لأدلت بها بنفسها. ثانيًا، تقديرًا وحرصًا على كلّ ما تمثّله لنا جميعًا.
لكنني أرغب في إضافة أن معظم الصور مستخرَجَةٌ من الأرشيف الذي قدّمته لي "حنان كساب"، المسؤولة عن دار دمشق للأوبرا سابقًا، وهي صور حصريّة لهذا الكتاب.

"ماذا عن اختيارك لدار نشر "orients éditions"؟ هل أردتِ من خلاله إظهار تعلّقكِ بالشّرق؟"

_ نعم، لقد حرصت جدًّا على أن ينشر الكتاب لديهم، وذلك لأن دار النشر هذه مختصّة بكل ما يتعلّق بالشّرق، بالإضافة إلى تخصيصهم مجموعة لفنّانات مثل أم كلثوم، وداليدا؛ وأحببت أن تضاف فيروز إليهما. أما العمل مع إيزابل صياح بودي رئيسة دار النشر فكان فريداً للغاية، لشأن اهتمامها بالتفاصيل الّتي تجعل الكتب في متناول غير المتمرّسين في القراءة، قبل المختصّين. 
أمّا عن علاقتي بالشرق، فسأعترف لك بأمر صغير، بأنّني دومًا ما كنت أكثر انسجامًا مع "الشرقيين" من أصدقائي أكثر من "الغربيين". لا أعرف لماذا، ربّما لأنّني وجدت لديهم تلك الطيبة، أو الحرارة، أو بالأحرى الألفة الّتي تفتقر لها الثقافة الغربية.
في النهاية، لا بدّ لي من أن أسأل: هل سترسلين هذا الكتاب لفيروز؟ 
_ لقد قمت بذلك البارحة! (بتاريخ الخامس من كانون الأول/ ديسمبر). سلّمته في منتصف الليل لصديقة مسافرة إلى لبنان، مرفقًا بالتأكيد برسالةٍ صغيرة، آملةً أن تنال إعجابها.
لا مجال للشّكّ بعد الحرب الأخيرة على لبنان أنّ معالمنا جميعنا هشّة، ولا نقوى، رغمًا عنّا، على إنقاذها من العدوان. ولعلّ فيروز هي المعلم الوحيد الّذي ما زال يوحّد وجداننا في وجودٍ واحدٍ، الّذي، نظير عنوان الكتاب، ما زال يحلم و"يغنّي الإنسانية"، وبعضًا من دمشق والقدس، وليالٍ بيروتيّة...

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/7/2026 7:21:00 PM
المتحدث باسم الداخلية السورية كشف عن الوصول لطرف خيط يدل على منفذي التفجيرات.
لبنان 7/8/2026 2:50:00 AM
عملت فرق الإسعاف على نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة...
النهار تتحقق 7/7/2026 3:52:00 PM
حمل رجال مجسماً كبيراً للأمين العام لحزب الله، يتقدمهم عسكري، على وقع موسيقى حزينة.
النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.