تونس والتفكير خارج الصندوق

كتاب النهار 29-01-2025 | 00:32
تونس والتفكير خارج الصندوق

ليس لأميركا احتكار الحلم البشري فهو متاح للجميع وملهم للجميع... وتونس ليست استثناء.

تونس والتفكير خارج الصندوق
محتوى القانون خارج على المألوف (أ ف ب)
Smaller Bigger

قدّم عشرون نائباً تونسياً مشروع قانون بشأن "الحرية الاقتصادية ومكافحة اقتصاد الريع" كان مفاجئاً في محتواه وإن لم ينل الاهتمام الذي يستحقه.

أصحاب المشروع ليسوا نواباً من المعارضة ولا من المثقفين الطوباويين، لكنني تصورتهم كذلك لأن محتوى قانونهم كان خارجاً على المألوف.

يدعو مشروع القانون إلى إزالة القيود القانونية والترتيبية التي طالما كبّلت قطاع الاستثمار والأعمال. وفي هذا الاتجاه، يتضمن مقترحات جريئة من بينها إلغاء كل التراخيص الإدارية باستثناء "ما له علاقة بالأمن العام أو بالسلامة الصحية" للمواطنين.

يحاول المشروع معالجة مشكلة تراكم النصوص القانونية على مدى السنين رغم دعوات الإصلاح، وتضخم ترسانة القوانين التي ساعدت على توسع رقعة الاقتصاد غير النظامي وتفشي الفساد والرشوة.

وحتى لما تم تعويض بعض القوانين بـ"كراسات شروط"، بغرض تيسير الإجراءات أمام أصحاب المشاريع، اتضح أن هذه "الكراسات" تضمنت شروطاً وتعقيدات مجحفة. كما ينص المشروع على منع تجريم الأنشطة الاقتصادية، ويستبعد في هذا الإطار العقوبات السالبة للحرية عند ارتكاب جنح مالية أو اقتصادية، مثل العديد من المخالفات الجمركية والجبائية والخروقات المتعلقة بقوانين العملة وإصدار الشيكات.

يعتقد أصحاب المشروع أن العقوبات بالسجن تشكّل اليوم سيفاً مصلتاً على رؤوس رجال الأعمال حتى عندما تكون الأخطاء والمخالفات التي يرتكبونها غير جسيمة. يرون أنه يجب ألا يعاقب رجل الأعمال مرتين، مرة أولى نتيجة فشل مشروعه ومرة ثانية بدخوله السجن، في حين أنه يحتاج إلى من يساعده على النهوض من كبوته لا من يسدد له الضربة القاضية التي تنهي مسيرته.

كذلك يلزم مشروع القانون الدولة بتوفير بيئة قانونية مستقرة وآمنة للمستثمرين المحليين والأجانب وبضمان مناخ إداري يشجع على دفع الاستثمار الذي تراجع خلال السنوات الأخيرة. ويمنع مشروع القانون أيضاً الممارسات الاحتكارية والتدخل "غير المبرر" للدولة في النشاط الاقتصادي والتجاري.

تبدو بعض فصول المشروع صعبة التحقيق، ولا توضح سبل التوفيق بين الأفكار الليبرالية المقترحة ومقتضيات "الدولة الاجتماعية" التي تسعى إليها السلطات.

أعتقد أن أهم شيء أتى به المشروع هو محاولة تقديم تصور جديد لتجاوز المسلمات والنأي بالبلاد ولو قليلاً عن التمشي الحذر الذي ميز السياسات التونسية منذ الاستقلال. وهو يسعى ضمنياً إلى تحقيق ما يشبه القفزة النوعية بعيداً من عقلية الإبقاء على الموجود والسير خطوة خطوة بتعلة "اجتناب المغامرات غير المحسوبة".

قد يكون التمشي التقليدي نابعاً إلى حد ما من استبطان معظم الساسة وأصحاب القرار عبر العهود لمحدودية الإمكانيات المتوافرة.

والرغبة الشديدة في التروي قبل اتخاذ أي قرار كانت دوماً متوائمة مع نزعة محافظة متأصلة لدى التونسي تجعله يخشى التغييرات المباغتة. ولا شيء أفضل تعبيراً عن ذلك من المثل الشعبي التونسي القائل: "لا غيّر لنا الله حالاً".

أكسب كل ذلك تونس سمعة الاعتدال والعقلانية، ولكنه جعلها أيضاً تضيع الكثير من الفرص لتحقيق انطلاقة قوية خلال العقود التي تلت الاستقلال.

كان مستوى الدولة الفتية من حيث نسبة النمو وتطور الاقتصاد مماثلاً لمستوى كوريا الجنوبية. غير أن سيول استغلت ما لديها من قدرات ووظفت كل العوامل، بما في ذلك الطفرة الديموغرافية التي كانت تمر بها، للنهوض باقتصادها، فيما فشلت تونس التي عمقت الطفرة الديموغرافية مشاكلها.

المفارقة هي أن التمشي الحذر الذي اتبعته البلاد لم يقها الهزات التي تتالت على البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي، وكان آخرها الاحتجاجات الشعبية التي جرفت نظام بن علي سنة 2011، بل إنني أزعم أن هذه الهزات حدثت لأن البلاد تدرجت نحو ما يشبه الجمود بعدما افتقدت الجرأة على المبادرة خارج الصندوق وهي التي كانت رائدة في عديد المجالات.

هذه النزعة أدت مثلاً إلى تشبث الإدارة بقيودها البيروقراطية وكأنما هي أساس العمران، كما يقول العلامة ابن خلدون، مع أن مسؤوليها يعرفون تمام المعرفة أن تلك القيود حرمت اقتصاد البلاد في الواقع من تحقيق انطلاقته المنشودة.

أدّى غياب الرؤى الجديدة في نهاية المطاف إلى خلق وضع طارد لكفاءات البلاد الشابة التي لم تفهم كيف تنجح في إرساء أسس الرقمنة العصرية وإطلاق مشاريع الذكاء الاصطناعي في بلدان أخرى خارج تونس ولا تجد الفرصة لذلك في بلادها... والدول الناجحة هي التي لا تربط أحلامها بقيود. فلما تعهّد ترامب الأسبوع الماضي برفع العلم الأميركي على سطح المريخ فقد كان ينهل من تقاليد راسخة في أميركا والغرب نحو رفض المستحيل ورفع سقف الأهداف المراد تحقيقها.

وضعت الإدارات الأميركية لنفسها في السابق أهدافاً قد تبدو مستحيلة أو في أحسن الحالات صعبة المنال، مثل إرسال مركبة مأهولة إلى القمر أو الانتصار على داء السرطان. تحققت بعض الأهداف وفشلت أخرى لكنها كلها جعلت الأميركيين يحلمون ويتطلعون إلى المستقبل.

ليس لأميركا احتكار الحلم البشري فهو متاح للجميع وملهم للجميع... وتونس ليست استثناء.

لا أحد ينكر أن البلاد واجهت لمدة عقود عراقيل موضوعية عدة مثل قلة الموارد الطبيعية وعوامل سوء الحوكمة والفساد وهيمنة الكارتيلات وغيرها، ولكن ما أعاقها أكثر من ذلك هو غياب الجرأة على تصور مقاربات جديدة من أجل تحقيق قفزات نوعية تحتاجها. غابت لديها الثقة في قدراتها الذاتية وبخاصة القدرة على الحلم. وفي الأثناء استنفدت طاقاتها في الدوران في حلقات مفرغة وهي المؤهلة لتحقيق انطلاقة نوعية في سائر المجالات لو تخلصت من القيود التي فرضتها على نفسها.