دَينُكَ في رقبتي يا بول

كتاب النهار 02-11-2026 | 05:24
دَينُكَ في رقبتي يا بول
كلّما تأمّلتُ لوحتكَ، وجدتُني أمام تجربةٍ أصيلة، وعبقريّةٍ غريزيّة، ومعرفةٍ فنيّة عميقة. التجربة الأصيلة لا تُصنَع بالتفكير المسبق، بل تنضج في منطقةٍ خفيّة من الوعي واللّاوعي
دَينُكَ في رقبتي يا بول
بول غيراغوسيان بريشة بول غيراغوسيان
Smaller Bigger

تعرّفتُ إليكَ في أواخر السبعينات، على الطريقة التي يتعرّف فيها شاعرٌ شاب إلى فنّانٍ راسخ الحضور. كان الشعر آنذاك ملء الدنيا، وبيروت ملء الدنيا، وأنتَ، والفنّ أيضًا، على الرغم من الحرب التي أبادت المكان والزمان والمعنى، واستأصلت كلّ شيءٍ جميل في البلاد. وقد نجحتْ في ذلك أيّما نجاح. ولا تزال.

قلتَ لي تعال، بلكنتكَ الأرمنيّة المقدسيّة، وأخذتَني بيدكَ إلى المحترف، إلى البيت، وضممتَني برحابتكَ الأخويّة، بعصاكَ، وضحكتكَ المريرة، إلى السرّ الذي يجعل اللوحة قصيدةً، والقصيدة لوحة. ومن وراء عويناتكَ السميكة جعلتَني في الرعيّة الحميمة، وأجلستَني من على يمينكَ: بورتريهاتٍ شخصيّة أربعة، وغلافًا ولوحاتٍ داخليّة لديواني الثاني، "المتّكئة على زهرة الجسد"، وحواراتٍ جمّة، وكرمًا بلا حدود، وصداقةً كنبعٍ مفتوحٍ على نهرٍ على بحرٍ، ولا يجفّ. 

قلائل تمكّنوا من رؤية روحي كما فعلتَ أنتَ. ولن أعرف كيف أستطيع، بسوى الشعر وبسوى الحبّ، أن أمنحكَ ما تستحقّ من وفاء.

لوحتكَ؛ الإرث الغارق في الحضارات، والحداثة الأبيّة المتمرّدة، والألوان الممهورة باللّامتناهي، والضربات الحارّة التي تخترق اللحظة والزمن، والقامات الممشوقة المتعاشقة، والوقوف الفروسيّ البهيّ في وجه الفاجعة والتوحّش والموت، وذلك الحنان كلّه، وتلك الرأفة، وهاتيك الإيقاعات الأوركستراليّة، فكيف أكافئها، يا بول؟!

***