مراهقون ومهرطقون
ترافقت حياة اللبنانيين مع حياة الفرنسيين طوال قرن. كل حقبة كنا نشاهد الفرنسيين يهرعون إلى الشوارع، يحطمون ويكسرون ويكررون ذلك النداء الدموي إلى المتاريس: لماذا؟ المتاريس ضد من؟ مرة ضد رجل مثل شارل ديغول. مرة ضد أجمل بناء هندسي تركه البارون هوسمان وهو يشيّد للفرنسيين أجمل مدن الأرض بعد روما.
وأنا أتابع أخبار باريس الأسبوع الماضي، كان هناك شيء واحد يذكرنا بقول جورج ساند وهي تصف لصديقها فلوبير جنون كومونة باريس 1871: طوفان من العربدة والقيء. وسوف يقول إدمون دوغونكور إنها "الكومونة" أدت الى مقتل عشرة آلاف إلى عشرين ألف إنسان. لكي نعرف ما كانت عليه "الكومونة"، يجب أن نتذكر أن اثنين حاولا تقليدها بعد ذلك: طانيوس شاهين ومعمر القذافي.
عندما كنت شابا، كنت مأخوذا ولا أزال بما يمثله شارل ديغول من قيم. ليس نابوليون بونابرت ولا نابوليون الثالث، بل رجل واحد قدّم للتاريخ أهمّ نماذج العقل والأخلاق والحياة العسكرية. لا شك في أنه كان أفضل عسكري عرفته فرنسا، وأفضل مدني أيضا. هناك إجماع عالمي على مكانة الرجل في التاريخ. كانت هناك قبل ذلك فظاعة أكبر: الفرنسيون يقبلون ترشيح فرنسوا ميتران ضد ديغول، ويهزمونه. ويهتفون في الشوارع ويقتلعون البلاط، وبدل ديغول يمشون وراء "الثوري" آلان كوهين الذي انتهى رئيسا لكبرى الشركات الرأسمالية.
لا تشرّف أحدا الحركات التي عمت القرن الماضي مثل الماوية وصبيان اليابان. ولا ننسى طبعا أن شفيع الماويين كان أشهر مفكري القرن، المسيو سارتر أيضا. الآن، وفي استعادات لتلك الحالات المرضية التي ضربت باريس، لا نستطيع أن ننسى شهوة المتظاهر الفرنسي إلى العنف. ومن نسي منا تولى تذكيره رجال جورج هاند وإدمون دو غونكور.
المشكلة في هذا العالم أنه مزدوج: هتلر وبيتهوفن. ديغول وميتران. ساركوزي وساركوزي. النتيجة آخر حرائق فرنسا. إنها عبارة عن شغف تافه بالعنف. مِن أجل مَن وماذا تحرق فرنسا هذا الخريف؟ وإلى متى؟ ينزل الحرّاقون إلى ساحة الباستيل في رومانسية سخيفة. في باستيل المرة الأولى لم يكن في السجن المحرر سوى ١١ سجينا. لكن فرنسا مدوية وأصواتها عالية. لذلك ما إن يعلن الإضراب سيد من النقابات حتى يتداعى الجميع إلى الباستيل. ويعود الحديث في صحف لندن عن "الحرب الأهلية".
كل شيء ممكن في هذه المدينة المتوترة على الدوام. مبحرة في السين، تغنيه أو ترمي نفسها فيه. ارفعوا أيديكم عن جسر الألما!
نبض