هيئة أركان!
نعرف مدى الصاروخ، ووزن رأسه المتفجر، ونميّز المسيّرة من الحربي، ونحلّل حركة حاملات الطائرات ببحر العرب، ثم ننتظر مصعداً بلا كهرباء. نحاضر في اتفاق مكة وتوازن الردع، ولا نعرف المكان الأفضل لركن السيارة، فقد نضطر للمغادرة سريعاً.
أنا اللبناني خبير متخصّص في الشأن الإيراني، وأخي متخصص في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وزوجتي تعرف ماذا يريد البنتاغون، وأختها تدرك كيف سيرد مجمع خاتم الأنبياء. وحدها "الحجة" تقاطع اجتماعنا الأمني المصغر لتسألنا: "أدسستم دواء الضغط في حقيبة الهرب؟".
نعرف مدى الصاروخ، ووزن رأسه المتفجر، ونميّز المسيّرة من الحربي، ونحلّل حركة حاملات الطائرات ببحر العرب، ثم ننتظر مصعداً بلا كهرباء. نحاضر في اتفاق مكة وتوازن الردع، ولا نعرف المكان الأفضل لركن السيارة، فقد نضطر للمغادرة سريعاً. اختصاصاتنا واسعة، ولكلٍّ منا مصادره: ابن خالتي يعمل في دكان يبعد 100متر فقط عن جدار سفارة زيمبابوي، ولي صديق يعرف صديقاً يعرف شخصاً "واصل" في الأمن العام، وفي جوالي تسجيل صوتي لرجل يهمس بعربية متكسرة تفاصيل حربية، وهذه وحدها شهادة صدقية، فالأسرار العسكرية لا تُقال بصوت مرتفع. ينتهي التسجيل بعبارة "ما تنشروه"، فأؤدي واجبي الوطني و"أُفَرْوِدُهُ" لسبع مجموعات.
الحرب الليلة! مستحيل قبل الانتخابات. العملية كبيرة والضربة محسومة. الردّ تحت السقف. يبدو هذا الشرق الأوسط عمارةً يعرف الجميع ارتفاع سقفها ومخارج الطوارئ فيها. وحدنا، نحن سكان الطابق السفلي، لم نتسلّم نسخة من خرائطها.
يحذّر الزعيم من جولة ثالثة قاسية، ويطالب رئيس حزب بتحييد لبنان. معلومات أم تحليل؟ إن كانت هذه معلومات، فلماذا لا يقولها؟ وإن قالها، هل يتحمل قلبي سماعها؟ أطلب الحقيقة ثم أبحث عن محلّل يقنعني بأنها "فايك نيوز".
انتظار ساعة الصفر أصعب من صفير الصاروخ. ففي الوقت المعلّق، تصبح الحياة سلسلة تأجيلات صغيرة: هل أصلح زجاج الشباك؟ أدفع قسط الجامعة أم أحتفظ بالمال للأسوأ؟ ويصير شراء ستارة جديدة تستر عوراتنا إعلان ثقة بالاستقرار الإقليمي. حتى البيت يتغيّر، فأنظر إليه بعين من يرتّب مغادرته: أيّ صورة عائلية أحمل؟ أين جوازات السفر؟ هل تتّسع الحقيبة لثياب الأحفاد؟
أجلس على كنبتي الضيقة وأجرّب في رأسي أن أصبح نازحاً. لماذا أتابع الأخبار بهذا الهوس؟ ربما لأنني أتناول القلق بحثاً عن جرعة طمأنينة. فنحن خبراء، ونحاول أن نستردّ بالتحليل شيئاً من سلطة سُحبت من أيدينا، ومن لا يستطيع منع الكارثة يتعلّق بأمل توقّعها. ومن لا يُستشار في الحرب، يعقد مجلس أمن في غرفة الجلوس، ويمنح نفسه حق النقض ضد آراء شقيقه. وعند منتصف الليل، بعدما نشرح لواشنطن مصالحها، ولطهران خياراتها، ولنتنياهو مأزقه، ونقرر أن الحرب بين لحظة وأخرى، يسألني حفيدي: "جدو... يعني بكرا أونلاين؟".
نبض