اليمن يبحث عن حذاء عائشة!
الحذاء الذي أستعيره من الرواية هو حق اليمني في أن يمشي إلى الأمام، من دون أن يشده أحد إلى قرون مضت. اليمن يستحق دولة، ولا يحتاج إماماً جديداً.
في رواية نبيلة الزبير، ابنة اليمن، "زوج حذاء جديد لعائشة" حكاية تستحق أن نقرأ من خلالها مأساة اليمن التي يعيشها اليوم.
عائشة ولدت في السجن، ونشأت بين جدرانه، وصار عالمها المألوف. خرجت منه ثم عادت إليه، لأن الخارج لم يمنحها ما يجعل الحرية حياة قابلة للعيش. أستعير هنا رمزها لقراءة وطن كامل، من دون أن أنسب إلى الروائية موقفاً من أحداث جاءت بعد صدور الرواية؛ فاليمن الذي عرف باسم السعيد، يبحث اليوم عن طريق يخرج به من سجونه المتعددة ويبحث عن السعادة المفقودة.
الحذاء في هذه القراءة وسيلة للمشي، وحماية للقدم من قسوة الطريق. تحتاجه عائشة لتغادر المكان الذي حبس طفولتها، ويحتاج اليمن ما يماثله سياسياً؛ دولة تحمي المواطن، وتعليم يفتح العقل، واقتصاد يوفر العمل، وقانون يمنع تحويل القوة إلى حق. أما إخراجه من سجن إلى آخر، مع تغيير اسم السجان ولون الراية، فلا يصنع حرية. وهذا ما ينبغي أن يبقى أمامنا ونحن نتابع الصراع اليمني.
أسقط اليمنيون حكم الإمامة في ثورة أيلول/سبتمبر عام 1962، ودفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الجمهورية. لم تكن التجربة التي تلت الثورة مكتملة، وشابها الاستبداد والفساد وصراعات النخب وتنافس القبائل والأيدولوجيات، لكن المبدأ أنها فتحت التغيير وأكدت أن الحكم شأن بشري، وحقوق اليمنيين لا يحددها النسب أو مجموعة تدعي العصمة. أرى أن محاولة الحوثي إحياء الامتياز السلالي المعصوم تضرب هذا المبدأ في أساسه، وتعيد ترتيب المجتمع بين من يزعم حق القيادة بالولادة، ومن يطلب منه الطاعة باعتبارها واجباً دينياً.
المشكلة هنا تتجاوز التنافس على وزارة أو حصة في السلطة. نحن أمام تصور يمنح قائداً وجماعته موقعاً فوق المحاسبة. تستطيع أن تختلف مع سياسي ثم تناقشه أو تعزله، لكن كيف تناقش من يلبس قراره ثوب التكليف المقدس؟ تتحول المعارضة عندئذ من حق للمواطن إلى شبهة في إيمانه وولائه. تلك هي الروح الكهنوتية التي تجعل البلاد ملكاً لأوصياء، وتجعل المجتمع محتاجاً دائماً إلى من يفكر بالنيابة عنه.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم تقارب الحوثي مع نظام ولاية الفقيه في إيران. الزيدية والإثنا عشرية مختلفتان، والإمامة الزيدية ليست نسخة فقهية من ولاية الفقيه، كما أن الزيديين لا يختصرون بالحوثيين. غير أن التشابه السياسي يظهر في وضع مرجعية دينية مسلحة فوق المؤسسات، ومنحها حق تقرير الحرب والسلام وتحديد حدود المسموح. الخلاف في الموروث المذهبي لا يمنع التعاون بين مشروعين يلتقيان على إخضاع الدولة لسلطة تزعم امتلاك الحقيقة.
الدعم الإيراني منح الحوثي أدوات فتاكة لتوسيع قوته، لكنه وجد أرضاً يمنية أضعفتها الانقسامات وسوء الإدارة. لذلك لا تكفي إحالة كل المأساة على الخارج. النخب التي قدمت حساباتها الخاصة على بناء المؤسسات ساهمت في فتح الأبواب للفوضى. والقوى المناهضة للحوثي مطالبة بأن تقدم نموذجاً يستحق ثقة الناس. المواطن الذي ينتظر راتبه، ويبحث عن علاج لطفله، يريد أن يرى فرقاً في حياته، لا أن يستبدل خطاباً بخطاب وراية براية.
في رواية نبيلة نساء يدفعن ثمن قرارات اتخذها آخرون، ثم يواجهن وحدهن أحكام المجتمع. وفي اليمن ملايين يتحملون نتائج مغامرات لم يستشاروا فيها. تعطل التعليم، وتشتتت الأسر، وانكمشت فرص الحياة، بينما تتضخم لغة البطولة والانتصار. من السهل أن تعلن أنك تدافع عن فكرة، لكن السؤال الذي لا يجوز إسقاطه: ماذا فعلت بأهل بلدك؟ وما قيمة الصاروخ الذي يزيد قدرة الجماعة، فيما تتراجع قدرة الأسرة على إطعام أطفالها؟
وتزداد المأساة عندما تتحول الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للجوار والملاحة. موقع اليمن كان يمكن أن يكون باباً للتجارة والعمل والتواصل، فإذا به يستخدم لتعظيم كلفة الصراع على اليمنيين وجيرانهم. أعتقد أن استعادة اليمن تبدأ باستعادة معنى المصلحة اليمنية. لا يملك فصيل أن يرهن مستقبل شعب لأجندة إقليمية، ولا تعطيه شعارات فلسطين تفويضاً مفتوحاً لتعطيل حياة الناس أو الاعتداء على جيرانه.
ومع ذلك، فإن مواجهة الحوثي لا تعني إدانة مذهب أو معاقبة منطقة. المطلوب مشروع وطني يتسع لليمنيين، وينزع القداسة عن السلطة، ويخضع السلاح للدولة. لا نريد استبدال وصاية بأخرى، ولا اختزال الجمهورية بعلم يرفع فوق مبانٍ خالية من المؤسسات. الجمهورية التي تستحق الدفاع عنها تمنح المواطن حقوقاً، وتلزمه بواجبات، وتتيح له الاعتراض من دون خوف من أن يصبح اعتراضه جريمة.
ولا يكفي أن تسكت البنادق إذا بقيت العقول أسيرة الحق الموروث في الحكم. السلام يحتاج إلى ضمانات تمنع إعادة إنتاج الحرب، وإلى تعليم يعيد للطفل اسمه وحلمه، بعدما أرادته التعبئة رقماً في جماعة، وجندياً صغيراً في معركة لا تنتهي.
عائشة لا تحتاج إلى مديح قدرتها على تحمل السجن؛ تحتاج إلى عالم تستطيع العيش فيه. واليمن كذلك يحتاج إلى أكثر من التعاطف والمؤتمرات. يحتاج إلى تسوية تحمي الناس، ومؤسسات تستعيد وظائفها، وأفق يشعر فيه الشاب أن مستقبله في المدرسة والعمل، لا في المتراس. الحذاء الذي أستعيره من الرواية هو حق اليمني في أن يمشي إلى الأمام، من دون أن يشده أحد إلى قرون مضت. اليمن يستحق دولة، ولا يحتاج إماماً جديداً.
نبض