الصينيون... لعنة على متظاهري فرنسا
الخطيئة التي وقع فيها صينيو فرنسا هي أنهم جدوا واجتهدوا لأجل لقمة عيشهم، وأبدوا طموحاً واضحاً في تحسين أوضاعهم، واعتمدوا على أنفسهم، وتجنبوا المتاعب والصدامات، حتى بات يُعرف عنهم الكدح...
في كل مكان عمل، سوف تجدون موظفاً مجتهداً، نشيطاً، شغوفاً، أميناً، ذكياً، مبادراً، يحظى بكراهية واحتقار عميقين من زملائه؛ فهم يغتابونه، ويسخرون منه، ويفسدون عمله، ويكيدون له، لا لشيء سوى لأنه -لسوء حظه- بمثابة الكشّاف الساطع الذي يُظهر فشلهم وبلادتهم وتقاعسهم.
أعرفتم النوعية التي أعني؟ حسناً، ماذا لو قلت لكم إن الموظف المثالي/الممقوت لمثاليته قد يكون جالية كاملة تتكون من آلاف الأشخاص؟
لا بد أنكم رأيتموها في المقاطع المصورة الواردة من المظاهرات الفرنسية؛ تلك الوجوه الصينية الباكية بقهر واستياء بعد تخريب متاجرها. وربما تساءلتم لماذا يتعرّض الصينيون إلى الاعتداء إن كان المتظاهرون -والكثير منهم من المهاجرين بدورهم- ساخطين على الحكومة الفرنسية؟ فما علاقة الصيني - الذي لا يريد أكثر من إدارة مقهاه الباريسي اللطيف بسلام - بحنق المتظاهرين على غلاء المعيشة وتدهور التعليم؟! وإن كنا سنسلم جدلاً -كما يفعل منعدمو الأخلاق المتسربلون بشعارات العدالة الاجتماعية المزيفة- بمشروعية السطو على "لوي فيتون" و"روليكس" و"أبل" لأن ملّاكها هم من "الرجال البيض الأشرار"، فما المبرر لقطع أرزاق المهاجرين الصينيين؟
أين أخفق الصينيون؟
الخطيئة التي وقع فيها صينيو فرنسا هي أنهم جدّوا واجتهدوا لأجل لقمة عيشهم، وأبدوا طموحاً واضحاً في تحسين أوضاعهم، واعتمدوا على أنفسهم، وتجنبوا المتاعب والصدامات، حتى بات يُعرف عنهم الكدح 51 ساعة يومياً، و6 أيام أسبوعياً.
ولست أُدافع عن هذا الهوس المفرط بالعمل، والذي يحيل البشر إلى آلات، وغالباً ما يستغل حاجة العمالة وخوفهم؛ ولكن مع الوقت، أصبح الصينيون هم "الكشّاف الساطع" في فرنسا، ذلك الذي "يفضح" بعض الجاليات والفئات الأخرى من المهاجرين، ومن بينهم أشقاؤنا العرب -للأسف الشديد-، والذين تظاهروا أمامنا مطولاً بأن فرنسا القاسية والمتحيزة وغير الإنسانية كانت قد حكمت عليهم مسبقاً بالفقر والتهميش وقلّة الخيارات وندرة الفرص والعيش -مثل الطفيليات- على الإعانات الاجتماعية.
ما أصعب الادعاء بأنك مسحوق مستضعف، لا تسمح لك الشيطانة فرنسا بالتطور، ولا بتكوين المال، ولا حتى بالحلم، حينما تكافح جارتك الصينية، التي جاءت كمهاجرة معدمة مثلك، في صالونها المخصص للعناية بالأظافر من الصباح حتى المساء، وخلال الآحاد والعطلات الرسمية. فما "يوم الباستيل" عند "مدام لي" سوى فرصة لطلاء أظفار زبوناتها بألوان العلم الفرنسي. ما أسهل أن تكره "مدام لي"!
إنه الحقد
كان على "الكشّاف" الصيني أن يُعطل ويُطفأ، وعلى مصابيحه أن تُحطم بذريعة التظاهر والاحتجاج، حتى تستمر سردية المظلومية الأبدية، ونستمر في التصديق بأن فرنسا، وبقية الدول الغربية، هي المتسببة بفشل وبؤس وتردي طموحات وأخلاق بعض المهاجرين، ومنهم بعض أبناء جلدتنا، من دون أن يتحملوا بدورهم ذرة من المسؤولية في ذلك.
عموماً، أشكر المهاجر -وربما كان عربياً- الذي أفشى الحقيقة بصريح العبارة حينما سألته مراسلة تلفزيونية عن سر استهداف متاجر الصينيين. "الصينيون أصبحوا أثرى مما ينبغي لهم"، أجابها، "وذلك ليس عدلاً".
نبض