ليس ربيعاً أوروبياً... إنه خريف الوسط
هنا يكمن السر الذي لا تقوله العناوين. لم يسقط الوسط الأوروبي لأن المتطرفين أقوى منه، بل لأن الصفقة التي كان يحرسها انتهت.
ماذا يحدث لقارة لا تملك قرار حربها ولا مصدر طاقتها؟
لم تطرح أوروبا هذا السؤال على نفسها، فطرحته عليها الشوارع. في مدريد، نصب الشباب خيامهم في ساحة بويرتا ديل سول كأنهم يسكنون غضبهم؛ وفي لشبونة، صارت ساحة روسيو بيتاً لمن لا بيت له؛ وفي بروكسل ولييج، تبادل الطلاب والشرطة الحجارة والغاز؛ وفي ميلانو، تكسر زجاج الواجهات؛ وفي تيرانا، هتف الطلاب ضد حكومتهم. قارة كاملة خرجت إلى الشارع في أسبوع واحد، كأن جرحاً قديماً انفتح دفعة واحدة.
وكانت فرنسا هي المشهد الأوضح.
في 18 من أيلول/سبتمبر، أضرب معلمون في كريتاي، إحدى ضواحي باريس، لأن الفصول بلا معلمين والجدران متشققة. كان احتجاجاً صغيراً، بحجم مدرسة. وبعد شهر واحد، في 17 من تشرين الأول/أكتوبر، خرج إلى الشوارع ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر، واحترقت بلدية ليموج التي وقفت شاهدة على المدينة أكثر من قرن، واعتُقل أكثر من ألفي شخص. بدأت الحكاية في مدرسة، واشتعلت بالديزل.
فالغلاء لا يُشعل الشوارع وحده، بل يُشعلها حين يقع على راتب لا يحتمله. بلغ التضخم في فرنسا 3.1% في أيلول، وفي إيطاليا 4.2%، بينما ارتفعت أسعار المنتجات النفطية في فرنسا 36%. ونصف العاملين الفرنسيين يتقاضون أقلّ من 2,190 يورو في الشهر. أما سويسرا، الجارة الهادئة، فكان التضخم فيها 1% فقط، والراتب الوسيط فيها 7,024 فرنكاً. لم تنجُ سويسرا لأنها لم تتعرض للعاصفة، بل لأنها تملك ما تواجهها به: عملة خاصة بها، وطاقة تنبع من أرضها، وقراراً لم تسلّمه لأحد.

وهنا يكمن السر الذي لا تقوله العناوين. لم يسقط الوسط الأوروبي لأن المتطرفين أقوى منه، بل لأن الصفقة التي كان يحرسها انتهت. عاشت أوروبا عقوداً على صفقة غير معلنة: أمنها بيد واشنطن، وطاقتها من موسكو، وسلمها الاجتماعي ممول من دولة الرفاه. ثم انقطع الغاز الروسي، واشتعلت حرب إيران في شباط/فبراير، وأُغلق مضيق هرمز، فتضاعف سعر الديزل، وارتفع سعر الغاز 140%، ودفعت القارة نحو مئة مليار يورو ثمناً لحرب لم تخضها. ثم جاء التقشف ليغلق آخر الأبواب.
لكن أوروبا لم تكن ضحية هذه الصفقة وحدها، بل شريكة في صناعتها. فقد اختارت أن تستعير أمنها، وتستورد طاقتها، وتطمئن إلى رفاه ظنت أنه يحميها من تقلبات العالم. وحين تبدلت المصالح، اكتشفت أن السيادة لا تُقاس بما تملكه الدول من مؤسسات، بل بما تستطيع اتخاذه من قرارات حين تضيق الخيارات. فهل فقدت أوروبا استقلالها، أم أنها اعتادت تأجيل ثمنه حتى جاء من يطالبها بالسداد؟
والمفارقة أن واشنطن التي أشعلت الحرب هي أول من برّأ نفسه. كتب ترامب أن "فرنسا تحترق"، وقال نائبه فانس إن الليبراليين "استوردوا العالم الثالث"، كأن المهاجرين هم من أغلقوا مضيق هرمز. أما ماكرون، الذي لم يذكر الهجرة بكلمة، فقد قال ما لم يقله غيره: فرنسا لم تشارك في هذه الحرب. ثم ذهب يبحث عن الديزل في أبوظبي والمنامة والدوحة، بينما كانت ليموج تحترق. وهكذا صار استقرار أوروبا يمر عبر الخليج.
وفي الظل، تنتظر موسكو. فكل يورو إضافي يُدفع ثمناً للوقود يصبح حجة لمن يطالب بعودة الغاز الروسي. واشنطن تدعم اليمين الأوروبي، واليمين الأوروبي يمد يده نحو الكرملين. أميركا تهدم بيدها الوسط الذي كان أقرب حلفائها، وتمنح موسكو ما عجزت عن تحقيقه بنفسها.
ومن رماد هذا الوسط يصعد الطرفان. لوبن تعد بالنظام، وميلانشون يعد بالعدالة، وكلاهما يعرض إعادة التفاوض على صفقة ماتت. وفي ألمانيا، يتقدم البديل من أجل ألمانيا؛ وفي إيطاليا، ينهض فاناتشي. ثم تأتي مواعيد الإضرابات المقبلة في أوروبا لتجيب عن الكثير من علامات الاستفهام. فبين إضراب عام في إسبانيا والبرتغال في 11 تشرين الثاني/نوفمبر (جبهة السكن والغلاء)، وفي إيطاليا 20 منه (جبهة الطلاب ضد التقشف والحروب) ستقف أوروبا بين تصريف لغضب عبر الانتخابات وثورة عارمة تجتاح الشوارع.
ليس هذا ربيعاً أوروبياً، إنه خريف الوسط. والخريف لا يُسقط الأشجار، بل أوراقها، ويترك الجذع عارياً أمام الريح. وما لم تستعد أوروبا قرارها، فلن يأتي بعد هذا الخريف ربيع، بل شتاء طويل.
نبض