هل الإستراتيجية الأميركية هي حقاً إخضاع إيران أم إعادة إنتاج الشراكة معها؟

كتاب النهار 18-10-2026 | 06:05

هل الإستراتيجية الأميركية هي حقاً إخضاع إيران أم إعادة إنتاج الشراكة معها؟

تتزايد الشكوك في ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلاً إخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لشروط تبدو مطاطية وزئبقية.

هل الإستراتيجية الأميركية هي حقاً إخضاع إيران أم إعادة إنتاج الشراكة معها؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
Smaller Bigger

تتزايد الشكوك في ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلاً إخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لشروط تبدو مطاطية وزئبقية. إعادة صوغ الشراكة مع الدول الخليجية العربية والإصرار على إدخال إسرائيل في الترتيبات الإقليمية، مساران يلتقيان في الانطباع بأن الهدف هو مواجهة النفوذ الإيراني. إنما الغامض والمريب في التصور الأميركي هو مفهوم أمن الحلفاء في الخليج.

 

إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتبر إضعاف إيران إنجازاً، وترى، عملياً، أن على الدول الخليجية العربية نفسها أن تتحمل الانتقام الإيراني من هذا الإنجاز. ظاهرياً تبدو إدارة ترامب تتخبط تكراراً في الأخطاء التكتيكية. باطنياً، تفيد ملامح الاستراتيجية الأميركية البعيدة المدى بأن "المؤسسة" تقوم بإعادة إنتاج الشراكة مع النظام في طهران. 

في مقال لي بعنوان "المبارزة المرعبة بين المقنّعين الأميركي والإيراني في العد التنازلي إلى الحسم" في يوليو/تموز الماضي، أشرت إلى سيناريوات استراتيجية لافتة. يومذاك، كان الحديث عن انتقال في التفكير من إدارة المواجهة مع إيران إلى تفكيك البيئة العربية التي سمحت للحرس الثوري الايراني بتحويل أذرعه إلى منظومة إقليمية. إستعادة القرار في بغداد، وإغلاق الممر الإيراني في سوريا، وحصرية السلاح في لبنان كانت عناصر مشروع يتجاوز نتائج الضربة العسكرية.

حينذاك، كان الاختبار في العراق وسوريا ولبنان، وفي قدرة صُنّاع القرار، ومنهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على جمع السياسات المتفرقة في استراتيجية متماسكة. بعد نحو ثلاثة أشهر، يصبح السؤال عن مصير تلك الفكرة: هل جُمّدت، أم عُدّلت، أم أن ما بدا بداية استراتيجية لم يتحول أصلاً إلى سياسة متكاملة؟ السؤال اليوم عن موقع هذا المشروع في الاستراتيجية الأميركية الفعلية.

الولايات المتحدة أضعفت القدرات العسكرية والاقتصادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة جدية، لكنها لم تحسم بعد كيف يتحول هذا الإضعاف إلى ترتيب إقليمي يحمي حلفاءها ويمنع الحرس الثوري من إعادة إنتاج نفوذه الإقليمي؟

هذه هي المعضلة التي تتجاوز مزاجية دونالد ترامب وتردده، وتتجاوز أيضاً تفسير المواجهة كلها باعتبارها تمهيداً لصفقة. الضربات ليست مسرحاً، والخسائر الإيرانية ليست وهماً. لكن التفوق العسكري الأميركي لم ينتج بعد معادلة مستقرة تمنع طهران من نقل كلفة المواجهة إلى الدول العربية.

المشهد اليوم لا يحتاج إلى اختراع "دولة عميقة" تقف خلف كل تناقض. يحتاج إلى مساءلة الرئيس وأركان "المؤسسة" عن الفجوة بين ما يريدونه من إيران وما يلتزمونه إزاء حلفائهم. 

الأدوات العسكرية والاقتصادية متوافرة وتُستخدم بجدية. الغائب هو وضوح الغاية السياسية الجامعة: هل المقصود تعديل سلوك النظام، أم تقليص نفوذه، أم التوصل إلى تفاهم نووي يسمح لواشنطن بإعلان الانتصار وعقد صفقة استراتيجية مع رجال النظام في طهران وترك بقية المنطقة تتدبر أمرها؟

الضربات الأميركية أحدثت تدهوراً جدياً في القدرات الإيرانية، والحصار والعقوبات يضغطان على قدرة النظام على التمويل والتعويض. إجراءات الخزانة الأخيرة ضد الشبكات المالية المرتبطة بطهران تؤكد أن الخنق الاقتصادي سياسة قائمة. لذلك، فإن تصوير إدارة ترامب كأنها لم تفعل شيئاً لخنق إيران وتدجينها يجافي الواقع. المساءلة ليست عن غياب الفعل، بل عن العلاقة بين الفعل العسكري ونتيجته النهائية، سواء كان هدفه الترويض أو الردع أو إعادة خلط الأوراق. 

الردع لا يقاس بحجم الخسائر وحده. قد تخسر إيران جزءاً مهماً من قدرتها العسكرية، وتحتفظ بما يكفي لإيذاء الجوار وتعطيل الملاحة ورفع كلفة القرار الأميركي. عندها يصبح الاستنزاف متبادلاً وإن لم يكن متساوياً: إيران تستنزف عسكرياً واقتصادياً، ودول الخليج تُستنزف أمنياً وتنموياً، فيما واشنطن تستفيد من "أعباء" عسكرية وتسليحية تخدم أحد أهم أركان المؤسسة/الدولة العميقة أي منظومة "المجمع الصناعي العسكري".

في مثل هذه المعادلة، تمنح الهجمات الحوثية على السعودية الانتقام الإيراني وظيفة تتجاوز اليمن. ضرب المطارات والمنشآت لا يستهدف مباني فحسب، إنه يرفع كلفة الاستثمار والتأمين والتنقل، ويختبر الثقة بالمستقبل الاقتصادي. هنا يتجاوز الانتقام الإيراني الميدان العسكري إلى محاولة تعطيل قدرة الدول على ممارسة سيادتها وبناء ازدهارها.

الوزير روبيو قال إن السعودية تتعرض للاعتداء، ومن حقها الدفاع عن نفسها، والولايات المتحدة تعتزم الوفاء بالتزاماتها الأمنية حيالها. هذا كلام واضح، لكنه يحتاج إلى ترجمة تقنع المعتدي قبل أن تطمئن الحليف. الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي وتعزيز الدفاعات أدوات مهمة. قيمتها تُقاس بقدرتها على إحباط الهجمات وتغيير حسابات أصحابها، لا بحجم الإعلانات عنها. 

الرئيس ترامب أوضح أن واشنطن تريد تمكين السعودية والتحالف والحكومة اليمنية من صد الحوثيين، من دون دخول أميركي مباشر يوسّع الحرب الآن. باب المندب حاضر بقوة لأنه يصل أمن المنطقة بالنفط والتجارة والناخب الأميركي. الخطر أن يصبح أمن الحلفاء أولوية فقط حين تتأذى الملاحة والأسعار. 

إنما سيادة السعودية ليست ملحقاً بسعر الوقود الأميركي، ومطاراتها ليست بنداً قابلاً للتأجيل إلى ما بعد الانتخابات. 

 

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).

 

 

 

من هنا يأتي سؤال حول أولوية المجمع الصناعي العسكري في القرارات الأميركية. الطلب المتزايد على الصواريخ الاعتراضية وإعادة تجهيز الدفاعات يخلق مصالح تجارية واضحة. البيت الأبيض نفسه قدّم صفقات الدفاع مع السعودية باعتبارها مكاسب للصناعة والوظائف الأميركية. 

التفاوت داخل الإدارة يدور حول حدود الانخراط العسكري وشروط الإنجاز السياسي. نائب الرئيس جي دي فانس يميل إلى تجنب التوسع العسكري ويترك باباً للتفاوض، وروبيو يتحدث بلغة الالتزامات والتحالفات، والمؤسسة العسكرية تستعد للخيارات لعل الرئيس يقرر أخيراً تنفيذ القرارات التي تم اتخاذها ويتوقف عن تناقضاته. 

تصريحات ترامب الأخيرة عن روسيا والصين تكشف جانباً لافتاً من التناقض حين استبعد مساعدتهما لإيران وقلّل من حجمها إن كانت تحصل. يصعب التوفيق بين هذا التهوين وبين سياسة تريد منع طهران من تعويض خسائرها. فإضعاف القدرات الإيرانية يفقد بعض قيمته إذا تُركت قنوات ترميمها تعمل تحت سقف المجاملة السياسية. 

فدونالد ترامب يعرف تماماً أن روسيا تمد إيران بذخائر ومكونات مسيّرات ومتفجرات عبر بحر قزوين وأن الاستخبارات الأميركية طرحت المسألة مع موسكو. والسؤال هو هل وراء هذا الإنكار الرئاسي اعتبارات انتخابية فقط، أو هناك ملامح صوغ تفاهمات دولية في شأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ 

الدليل الأميركي المعلن بشأن الشركات الصينية أوضح. فلقد اتهمت الخارجية شركة "تشانغ غوانغ" بتوفير صور أقمار اصطناعية تخدم إيران والحوثيين، وفرضت الخزانة عقوبات على شركات تتخذ من الصين مقراً وتسهّل مشتريات الحوثيين العسكرية. ذلك لا يثبت تلقائياً أن بكين تدير كل عملية، لكنه يناقض تصوير شبكات الدعم كأنها غير موجودة أو بلا وزن. 

موسكو وبكين لا تحتاجان إلى خوض الحرب كي تؤثرا في نتائجها. يكفي أن تساعد شبكات الإمداد إيران على تعويض بعض خسائرها. أن يجمع ترامب بين خنق إيران والتهوين من شرايين الدعم التي تُبقيها قادرة على الإيذاء أمر مستهجن من الضروري التوقف عنده. 

ثم هناك مسألة التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي وانضمام السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية  والتي يتردد أنها عنصر في المواقف الأميركية من السعودية، ويقال إنها مركزية لتوسيع التعاون الأمني وتغيير الحسابات السياسية في واشنطن. 

الالتزامات الأميركية القائمة حيال السعودية هي موضع الامتحان الآن. لا دليل يثبت أن واشنطن تترك المملكة تُستنزف لإجبارها على التطبيع. لكن غموض حدود الحماية يغذي هذا السؤال. على الإدارة أن تبدد الشك بسلوك واضح، لأن تحويل أمن الحليف إلى مكافأة مؤجلة على قرار سياسي آخر ينسف صدقية التحالف قبل أن يبني أي ترتيب إقليمي جديد. كما على السعودية أن تفكر جدياً وبسرعة في تحرير أمنها القومي من عرقلة التطبيع.

هذه لحظة اتخاذ القرارات الجريئة في زمن التطويق. هذه لحظة أخذ زمام المبادرة. 

الوثائق الأميركية توفر مدخلاً. الاستراتيجية الدفاعية لعام 2026 تضع على الحلفاء والشركاء الإقليميين المسؤولية الأساسية عن ردع إيران وأذرعها، بدعم أميركي، وتربط ذلك بتعميق التعاون مع دول الخليج والتكامل بينها وبين إسرائيل وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية. هنا اختيار مؤسسي معلن، لا مجرد مزاج رئاسي عابر. الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بالقدرة على الحسم، مع نقل جانب أكبر من مسؤولية الأمن الإقليمي إلى دول المنطقة.

الجدية العسكرية الأميركية ليست موضع استخفاف. الضربات ألحقت خسائر كبيرة بالقدرات الإيرانية، والحصار والعقوبات يستهدفان الاقتصاد والتمويل وإعادة التسليح. لو لم تقدم إدارة ترامب على استخدام القوة، لكان وارداً أن يفسر الحرس الثوري ذلك باعتباره نجاحاً في فرض ردعه على الولايات المتحدة، محتفظاً بقدرات أوسع للابتزاز. العمليات غيّرت تلك المعادلة، ولم تكن مجرد استعراض تمهيداً لصفقة.

إنما القدرة على إضعاف إيران تختلف عن القرار بإنهاء الوظيفة الإقليمية التي بنى عليها الحرس الثوري عقيدته وسلطته. قد تريد واشنطن نظاماً إيرانياً مقيداً، يقبل شروطها النووية ويكف عن تهديد مصالحها المباشرة، من دون أن تتبنى إسقاطه. عندئذ يصبح مستقبل الأذرع جزءاً أساسياً من تعريف التقييد: هل تُجرّد من أدواتها، أم يُكتفى بضبط نشاطها من ضمن تفاهمات تستطيع طهران إعادة تفسيرها حين تحتاج إلى الضغط؟

الاستمرارية في المقاربة الأميركية لإيران تُختبر هنا، لا بمجرد وجود مفاوضات أو استخدام القوة. الخطر هو أن تبقى العلاقة مع طهران الإطار الذي تُرتب داخله قضايا المنطقة، فيما تتحول العلاقات مع الحلفاء العرب إلى أدوات لإنجاح ذلك الترتيب. أي تفاهم نووي لا يمنع استخدام اليمن والعراق ولبنان لإنتاج نفوذ إيراني متجدد سيعيد المشكلة، ولو سبقه تدمير واسع لقدرات إيران. لا توجد الآن صفقة ناضجة، لكن معيار قبولها يُصاغ قبل ولادتها.

التطبيع مع إسرائيل ليس تفصيلاً منفصلاً عن هذه المقاربة. في التصور الأميركي المعلن، التكامل الإقليمي وسيلة لتمكين الحلفاء من تحمل أمنهم، وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية جزء من ذلك. بالنسبة إلى واشنطن، قد يكون جمع القدرات الخليجية والإسرائيلية طريقاً لتقليل الحاجة إلى التدخل الأميركي.

المفارقة أن واشنطن تريد تعميق ارتباط الخليج بمنظومتها الأمنية والتكنولوجية، فيما يهوّن رئيسها من الإسناد الذي يصل إلى خصومه من منافسيها. هذا يضع القيادات الخليجية أمام ضرورة تحديد ما تنتظره من كل شراكة، وما تستطيع تحصيله منها فعلاً.

استعادة الدولة في المشرق تظل الحلقة التي تكشف مدى جدية المشروع الأوسع. مطالبة حزب الله بإعادة المتفجرات المضبوطة، بعدما أقر بملكيتها، هي تحدٍّ مباشر لسلطة الدولة اللبنانية. طلب روبيو ملاحقة من أمر وموّل الشحنة وأدارها ينسجم مع تفكيك بنية النفوذ الإيراني. تنفيذه يستدعي قراراً لبنانياً لا تعطلّه التهديدات، بالتوازي مع ضغط أميركي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. العراق وسوريا يختبران، كلٌّ من موقعه، مدى انتقال دعم السيادة من الطرح السياسي إلى القدرة على منع إعادة إنتاج الأذرع.

إن إضعاف إيران يتقدم بجدية، بينما استعادة السيادة العربية تخضع لحدود الانخراط الأميركي وحسابات التطبيع والشراكات الدولية. لا يكفي وصف ذلك بالتخلي عن الاستراتيجية، ولا يكفي اعتباره استمراراً لها. إنه يكشف ترتيب أولويات لم تُحسم تناقضاته لمصلحة الحلفاء. الحسم الحقيقي سيكون عندما يتضح إن كانت واشنطن تريد دولاً عربية تستعيد قرارها، أم ترتيباً إقليمياً أقل كلفة عليها، يحتفظ لإيران بما يكفي من النفوذ للتفاوض، ويحمّل الخليج ما يكفي من الأعباء للاستمرار في الدفاع عن نفسه أمام الانتقام الإيراني من أميركا.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 10/17/2026 6:31:00 AM

هل يجب أن تخشى الدول الغربية من الخسائر المادية المحتملة من تلاشي المبتعثين لتبدأ في أخذ التطرف الديني -والذي لم يتوقف الخليجيون عن دق ناقوس الخطر حياله- على محمل الجد؟

الولايات المتحدة 10/17/2026 3:22:00 AM
قال ترامب أمام حشد في دالتون بولاية جورجيا: "أتعلمون.. إذا كنتم في شك بشأن اسم شخص ما من الشرق الأوسط، فما عليكم سوى أن تقولوا محمد... لديكم فرصة صواب بنحو 65 في المئة... مرحبا يا محمد... أفعل ذلك منذ سنوات ولم أخطئ أبدا".
لبنان 10/17/2026 12:00:00 AM
مشروع قطري لتمويل تطوير قطاع الكهرباء وتشغيله يفتح باب انفراج في لبنان، فيما برز توتّر خلال مداهمة مستودع أدوية، وترقّب لزيارة بارو لبحث مرحلة ما بعد اليونيفيل.
رياضة 10/6/2026 7:59:00 PM
أوضح كريملوف أن بطولة العالم تمثل البطولة الأهم على أجندة الاتحاد، مشيراً إلى أن قيمة جوائز النسخة السابقة التي أقيمت في دبي بلغت 8 ملايين دولار، فيما سترتفع إلى 20 مليون دولار في النسخة المقبلة.