كلمات عزاء لا تعزّي
يرحل أحدهم من هذه الفانية إلى تلك الباقية. تذهب إلى مراسم الدفن أو إلى واجب "تقديم التعازي". هناك تسمع عبارات في غير مكانها. في فقدان طفل صغير، يسمع الأهل عبارات من مثل "نيّالكن ربحتوا ملاك بالسما". لكن من قال لكَ إنّ الأهل كانوا يريدون الآن ملاكاً في السماء؟! هذا لا يعني أنّهم ُغير مسلّمين للمشيئة الإلهيّة. هُم مصدومون وحزانى. تتوفّى سيّدة عانت داء مزمناً. يقول المعزّون لأهلها "نيّالا ارتاحت من هالدني". ومن قال للمعزّين إنّ أهلها يقنعهم هكذا كلام! هُم في وضع يسألون فيه أنفسهم "لماذا هي بالذات وهي إنسانة صالحة ومؤمنة، ولماذا في عمر مبكر"؟ يذهب أحدهم لتقديم واجب العزاء برجلٍ في متوسّط العمر. يقول لأهله "هيدي الدني ما فينا نعمل شي". هم يعرفون أنّهم لا يقدرون على فعل شيء حيال الموت، لكن هذا لا يعني أنّهم سيستسيغون هذا الكلام أو أن يقبلوه في هكذا وضع.
تموت زوجة أحدهم. يزوره شخصٌ بعد مدّة لـ "يستفقدو". يرى أنّ الزوج ما زال حزيناً. ينظر إليه ويقول له "بعدك شب، بعد فيك تتجوّز، يلّلي بعمرك هلّق عم يتجوّزوا". لكن من قال لهذا الضيف إنّ الرجل يريد أن يتزوّج مرّة أخرى أو إنّ هذا الأمر سهل عليه؟! يُتوفّى شاب بحادث سير. يسمع والده في التعازي كلاماً من نوع "أنا حاسس بوجعك". "عَنْ جَد"؟! هل فعلا نحن نشعر بوجع أب مفجوع بوفاة ابنه؟ وفي المطلق، هل نحن قادرون على الإحساس بوجع أيّ إنسان بسبب أيّ حادث أو وضع يختبره؟ هذا تقليلٌ من خصوصيّة الحزن أو الوجع. كلمات أخرى تُقال لأهل الفقيد من مثل "الموت حق، كلنا بدنا نموت". هذا صحيح. كلّنا سنموت لكن هكذا كلام يستفزّ أهل الميت ويسخّف مشاعرهم وهذا مؤذٍ لهم.
طبعاً الناس طيّبون، وفي مرّات كثيرة يحتارون في ما يقولون، أو هم يردّدون عبارات صادقة لكنّها تقليديّة لا معنى عميقاً لها يناسب عمق الحزن أو المرارة، ولا تحقّق الهدف من الزيارة وهو تقديم "التعزية". قصدُ الناس في هكذا أحوال ومن وراء هذه العبارات جيّد وهو إبداء التعاطف مع الحزانى. النيّة سليمة ولا غبار عليها. لكن المشكلة هي في ما يُقال وليس في النيّات.
في الحزن، ربّما الاكتفاء بضمّ أهل الفقيد إلى صدورنا تعني الكثير لهم. أن نربّت على كتفهم أثناء ضمّهم يشعرهم بوجودنا القريب منهم. كلّما كان الوجع أعمق وجَبَ أن يكون الكلام أقلThe Bigger the Pain the Fewer the Words. إذا أحبّ أهل الفقيد أن يقولوا شيئاً، أن يعبّروا عن حزنهم أو صدمتهم أو استغرابهم ممّا حصل، يبدو أنّ تأكيدنا على صوابيّة مشاعرهم To Validate Their Feelings، والإصغاء الفعّال لأهل الفقيد والاكتفاء بكلمات قليلة من المحبّة من دون وعظٍ، أفضل بكثير من ترداد عبارات تعزية لا تعزّي.
نبض