معرض بيروت للكتاب... بين السياسة والإبداع
يكاد المعرض هذا العام أن يكون لبنانياً خالصاً، لم يأتِ عرب كثيرون، لا ناشرون ولا قراء عاديون، الحرب في الخليج والتوتر في بلاد الشام والعراق والانهيارات الاقتصادية هنا وهناك لعبت دوراً سلبياً فتناقصت أعداد العرب الوافدين لكنها لم تختف.
ربما يكون معرض الكتاب العربي والدولي في بيروت التظاهرة الثقافية الوحيدة ذات القيمة الكبرى في بلد تشله الحروب والانهيار الاقتصادي المتدحرج منذ سبعة أعوام. وفي هذا السياق ليس المعرض حدثاً ثقافياً فحسب، بل هو حدث سياسي واقتصادي واجتماعي أيضاً.
المعرض الذي انطلقت دوراته عام 1956 وتنقل بين أماكن عديدة في العاصمة حتى استقر أخيراً في منطقة الواجهة البحرية الفسيحة لبيروت، هو عميد معارض الكتاب العربية وقد كرس بيروت عاصمة للنشر في العالم العربي. ولذلك أسبابه المتعددة، ولا يزال يحظى بأهمية خاصة في حركة النشر العربية وفي الحركة الفكرية المرافقة. ولا شك في أن مناخ الحرية الذي تتمتع به بيروت وخبرة ناشريها وجودة انتاجهم، لعبت ولا تزال تلعب الدور الأساسي في استقطاب الناشرين والمستوردين وأهل الفكر والأدب ومحبي القراءة من معظم البلدان العربية.
عندما غاب المعرض عامي 2019 و2020 بسبب الاحتجاجات الشعبية والأزمة الاقتصادية ثم جائحة كورونا كأنما فقدت العاصمة جزءاً من روحها، هي التي لم تتوقف عن تنظيم المعرض حتى فى أشدّ لحظات الحرب الأهلية سواداً. معرض الكتاب العربي (قبل إضافة والدولي) بعد انضمام اتحاد الناشرين اللبنانيين إلى الجهة المنظمة تاريخياً أي النادي الثقافي العربي الذي هو أيضاً أحد أبرز وجوه بيروت الثقافية.
في وقت يبدو فيه لبنان كسفينة مثقوبة لا أحد يعرف إلى أين تقوده حروب المنطقة والصراعات المحيطة به على النفط والممرات والنفوذ... وعلى الأديان والأساطير والغيبيات والخرافات، وفيما تعلن شرائح متعددة من المجتمع اللبناني يأسها من إمكان الإصلاح ويغادر آلاف الشباب شهرياً إلى أي بلد يمنح التأشيرة، يبرز معرض الكتاب نقطة ضوء سريعة في ليل دامس طويل.
ليس مشهداً عادياً ما تعيشه بيروت خلال عشرة أيام هي عمر المعرض بين 8 و18 تشرين الأول/ أكتوبر، وإن كانت مدة المعرض هذه السنة أقصر من سابقاتها. الصالة الفسيحة المصممة لاستقبال 160 دار نشر توفر هذه الدورة مساحات أرحب، خصوصاً للدور الكبيرة، وممرات مريحة وساحة للإستراحة فضلاً عن قاعات الندوات والمحاضرات والمقهى والمقصف... وحتى صدور النتائج النهائية للمبيعات والكتب الاكثر مبيعاً تشي حركة الناس عند المداخل وفي الصالة، على الأقل، برغبة كبيرة في الاطلاع والشراء قد لا تقابلها قدرة مالية على الشراء "فالبلد وأحواله"، والأولويات تفرض منطقها على المواطن اللبناني الذي يجهد لتوفير الغذاء والتعليم والدواء متخلياً عن ترف القراءة أو مقتصداً فيه إلى أقصى الحدود.
صبغة لبنانية
يكاد المعرض هذا العام أن يكون لبنانياً خالصاً، لم يأتِ عرب كثيرون، لا ناشرون ولا قراء عاديون، الحرب في الخليج والتوتر في بلاد الشام والعراق والانهيارات الاقتصادية هنا وهناك لعبت دوراً سلبياً فتناقصت أعداد العرب الوافدين لكنها لم تختف.
لكن الكتاب والمثقفين العرب لم يغيبوا، حضر كثيرون منهم: من العراق ومصر والمغرب وسوريا والجزائر وتونس. شعراء وروائيون ومؤرخون وباحثون ومفكرون شاركوا في ندوات ومحاضرات ووقعوا مؤلفاتهم، وسط احتفاء عكسه حجم الحضور في المنتديات الجانبية ومستويات النقاش وحيويته.
كأن المعرض هذا العام أراد أن يقدم صورة جديدة لبيروت (وللبنان)، كان أكثر علمانية وانفتاحاً وأقل اتشاحاً بالسواد. لم تغب دور النشر الدينية، لكنها لم تشكل صبغة طاغية كما كان يحصل في سنوات خلت، خرجت السياسة الدينية من المعرض (أو لم تأتِ) هذا العام. البلد تغير والناس تغيرت والقراء بحاجة لشيء مختلف ربما. لقد قرأوا كل شيء عن التراث، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الفائق القدرة لم تعد الصور القديمة تغري.
عناوين كثيرة لكتب برزت في السياسة وفي تاريخ المنطقة وصراعاتها استقطبت جمهوراً كبيراً من السياسيين إلى المعرض وحفلات التوقيع، سياسيين من مختلف التيارات، ووجوه تقليدية غابت. روائيون لبنانيون معروفون لم يظهروا. السياسة تقتل الإبداع وتتصدر المشهد في زمن الصراعات. كلام متقدم جداً قيل في الندوات، أفكار نقدية خارج المألوف في الدين والتاريخ جذبت كثيراً من المتابعين ولم تصدر أصوات متشددة معترضة وحملات تكفير (محاضرة الباحث العراقي خزعل الماجدي نموذجاً).
أياً تكن الأرقام، نجح المعرض في استقطاب الجمهور طوال عشرة أيام وتحولت الواجهة البحرية لبيروت إلى عاصمة فعلية للبلد، عاصمة بمواصفات مشتهاة.
نبض