إن كثرت العجائب، توقّع المصائب!

كتاب النهار 15-10-2026 | 04:37
إن كثرت العجائب، توقّع المصائب!

ثمة كوابح لا تزال قائمة لهذه الكارثة الإقليمية، لكنها جميعاً لا تمهد لسلام مستدام، بل تشتري وقتاً مستقطعاً، في حين لا يملك الحَكَم صفّارة النهاية.

إن كثرت العجائب، توقّع المصائب!
امرأة تعبر وسط ساحة الثورة في طهران في 12 أكتوبر 2026، وتظهر خلفها لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وقف رئيس الولايات المتحدة أمام الصحافيين ليعلن أن الرئيس التركي "سيفعل ما أطلبه" إن دعاه إلى القتال في اليمن ذوداً عن السعودية. لو قيلت هذه الجملة قبل عام لعُدّت من نوافل الكلام. أما اليوم فلقد صارت جزءاً من جدولَ أعمال. 

ثم تتوالى العجائب. الرياض تطلب، بحسب مسؤولين أميركيين، جنوداً من دمشق، ودمشق تنفي. وواشنطن التي تحاصر موانئ إيران تشتري الديزل من موسكو، وتطلب من كييف أن تكفّ عن قصف المصافي الروسية، رأفةً بأسعار الوقود عشية انتخاباتها النصفية. وفرقاطات فرنسية في باب المندب، فيما يقف تحالف من أربعين دولة على عتبة هرمز. أما باكستان فتتحالف ضد أذرع جارتها إيران، وتخوض حرباً ضد طالبان التي ربتها على يديها. 

نعم، في زمن العجائب، تقع المصائب! 

ليس الخطر في أن الحرب آتية؛ فهي قائمة منذ السابع من تشرين الأول 2023، واتّسعت في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026 إلى حرب أميركية-إسرائيلية على إيران اغتالت مرشدها، وأغلقت مضيقها، وأعادت إضرام جبهتي لبنان واليمن. الخطر في أن طبيعتها تتبدّل! 

ثمة فرق جوهري بين حروب في الإقليم! وإقليم في حالة حرب! 

في الحالة الأولى يتقاتل خصوم معلومون على رهانات معلومة، ويراقب الجيران ويتحوطون من خلف أسوارهم. في الثانية تسقط الأسوار: تطرق الحرب أبواب الجيران بالصواريخ على مطاراتهم، وبالميليشيات على تخومهم، وبالحلفاء المستنجدين. 

الحرب الأولى تُحتوى. أما الثانية فتحتوي الجميع. ولماذا الآن؟ ثمة ثلاث أزمات عتيقة، كانت تجري كلٌّ في مجراها، لكنها التقت عند مصبّ واحد، وصارت تذكّي بعضها كما الأثافي في نار القِدر. 

أولاها الديون المستحقة للحرب الإقليمية الباردة. نصف قرن عاشته المنطقة على ثلاثة محاور متشابكة، عربي-إسرائيلي وإيراني-إسرائيلي وإيراني-خليجي، تتنازع المسارح ذاتها: الشام والعراق واليمن. ولم تتمكن كل الانفراجات، من اتفاقات أبراهام إلى مصالحة بكين بين الرياض وطهران، من معالجة العلة الرئيسية مع طهران. 

المفارقة أن ما انهار بعد السابع من أكتوبر لم يكن الخصومة ذاتها، بل انهارت قواعد اللعبة التي أبقت النار مضبوطة.

سقط الإنكار، وسقطت الوكالة، وسقطت المحظورات القديمة من ضرب العواصم لقطع رؤوس القيادات. وبعدما كانت الخصومات تقيدها الأعراف، احتدمت الحرب دون قواعد، بل تنمو إلى جوار المحاور العتيقة محاور صراع جديدة بين إسرائيل وتركيا على الأرض السورية، صراع على المتوسط وعلى هرمز وعلى باب المندب إلخ...