استعصاء الإصلاح والانتخابات فلسطينياً

كتاب النهار 09-10-2026 | 02:49
استعصاء الإصلاح والانتخابات فلسطينياً

باختصار، فإن الساحة الفلسطينية انشغلت الأسابيع الماضية بقصة الانتخابات التي بدت كملهاة، في ظروف حرب الإبادة الإسرائيلية ضد فلسطينيي غزة، وظروف تغوّلها في الضفة الغربية، مع تآكل مكانة السلطة، على الصعد كافة.

استعصاء الإصلاح والانتخابات فلسطينياً
شبان فلسطينيون يفرون بعدما فتحت القوات الإسرائيلية النار عليهم بالضفة الغربية في 6 أكتوبر 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

على الأغلب، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيصدر قريباً مرسوماً يقضي بتأجيل الانتخابات الفلسطينية، المقرّرة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ربما لمدة عام، أي حتى أواخر العام المقبل (2027)؛ وهو الموعد الملتزم به مع الدول المانحة، خاصة الاتحاد الأوروبي، علماً بأن تلك الانتخابات لم تجر سوى مرتين في العام 1996، والعامين 2005-2006، في غضون ثلاثين عاماً.

للتذكير، فتلك هي المرة الثالثة التي يقوم بها الرئيس الفلسطيني بالتخلي عن الالتزام بمرسوم تنظيم انتخابات تشريعية فلسطينية، إذ حصل ذلك للمرة الأولى في مطلع العام 2010، بتأجيلها إلى أجل غير مسمى، وفي المرة الثانية في أيار/مايو من العام 2021، في مناخات "هبّة الشيخ جراح"، إذ ألغيت بسبب رفض إسرائيل تمكين السلطة من إجرائها في القدس الشرقية، في حين ثمة سبب آخر تمثل بغياب الإجماع في حركة "فتح"، بالنظر إلى تعدد القوائم الانتخابية المحسوبة على تلك الحركة، ما يشتت أصواتها، الأمر الذي قد يهدد بخسارتها، على غرار ما حصل لتلك الحركة في الانتخابات التشريعية الثانية (2006)، الأمر الذي مكّن "حماس" من الاستحواذ على عدد أكبر من مقاعد المجلس التشريعي في حينه.

في هذه المرة، الثالثة، هناك العديد من العوامل التي تدفع الرئيس الفلسطيني إلى التراجع عن مرسوم إجراء الانتخابات بتأجيل ذلك الاستحقاق الذي يخضع لرقابة دولية، بسبب صعوبة إمكان إجرائها في القدس وغزة، بسبب الممانعة الإسرائيلية، وبحكم ظروف فلسطينيي غزة، بعد ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الجماعية ضدهم. وتالياً، بواقع صعوبة التوافق في حركة "فتح" على قائمة واحدة، في ظل تعدد مراكز القوى، والمرجعيات، وتضارب المواقف، فيها. كذلك، بحكم عدم جاهزية الفصائل، خصوصاً حركة "حماس"، للاستحقاق الانتخابي؛ لذا ربما سنشهد بعد أيام مطالبات الفصائل، هذه المرة، للرئيس الفلسطيني بتأجيل الانتخابات؛ وهو مخرج سيكون مناسباً، ومريحاً، للرئيس أمام شعبه وأمام الدول المانحة.

باختصار، فإن الساحة الفلسطينية انشغلت في الأسابيع الماضية بقصة الانتخابات التي بدت كملهاة، في ظروف حرب الإبادة الإسرائيلية ضد فلسطينيي غزة، ووسط تغوّلها في الضفة الغربية، مع تآكل مكانة السلطة، على الصعد كافة.

أيضاً، فإن هذه الملهاة، أو الدوامة، غطّت على حقيقة أن أزمة الساحة الفلسطينية ليست مجرد أزمة شرعية فقط، إذ بات للرئيس أكثر من عقدين (منذ العام 2005)، ومضى منذ آخر انتخابات للمجلس التشريعي (حلّه الرئيس في العام 2018) عقدان من الزمن، أي إن الساحة الفلسطينية كانت تعيش على واقع اللاشرعية سنوات عديدة، ما يفسّر جمودها، وافتقادها الإجماعات الوطنية، واستهلاكها لدورها ومكانتها.

في الواقع، فإن أزمة الكيانات السياسية الفلسطينية (المنظمة والسلطة والفصائل)، عدا الشرعية، هي أزمة تطال بنى وخطابات وعلاقات وأشكال عمل لحركة وطنية استهلكت دورها بعد مضي أكثر من ستة عقود على قيامها، إي إنها إزاء أزمة شاملة وعميقة، ما يفيد باستعصاء عمليات الانتخاب، والإصلاح، في آن معاً.