القرن الإفريقي... تحوّلات متسارعة
من منظور خليجي، يرتبط استقرار القرن الأفريقي بصورة متزايدة بأمن المنطقة وحركة التجارة، ما يجعل التعامل مع تحولاته جزءاً من المصالح الخليجية السياسية والاقتصادية والأمنية.
تزيد عودة الصراع الإثيوبي والتحرك الديبلوماسي لأرض الصومال في واشنطن من أهمية متابعة القرن الأفريقي، مع تصاعد ارتباطه بأمن البحر الأحمر والخليج.
تختلف أسباب الحدثين وأهداف أطرافهما، لكنهما يكشفان أثر التحولات الأمنية في خيارات الحكومات وتحالفاتها. فاضطراب إثيوبيا، التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي، يهدّد استقرار جوارها وطرق تجارتها، وتسعى هرجيسا إلى استثمار موقعها البحري لبناء شراكة أميركية تدعم مطلب الاعتراف بها.
تجددت المواجهة الإثيوبية بعدما أوقف اتفاق بريتوريا عام 2022 الحرب وفتح الطريق أمام استعادة الاستقرار، لكن الخلاف على تنفيذ بنوده أبقى أسباب التوتر قائمة.
وتغيّرت خريطة الخصوم مقارنة بحرب 2020–2022. فقد انضمت جبهة تحرير شعب تيغراي إلى تحالف مسلح مع جماعات أخرى، بينها فصائل من ميليشيات فانو الأمهرية التي ساندت الجيش الأثيوبي الفيدرالي ضدها في الحرب السابقة، بهدف الإطاحة بحكومة آبي أحمد. وقد يتيح التنسيق بينها فتح جبهات متزامنة لاستنزاف القوات الحكومية وتشتيت مواردها. غير أن النزاعات على الأراضي وتباين الأهداف يحدّان من تماسكها.
استعادة القوات الفيدرالية ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، عقب انسحاب مقاتلي الجبهة منها، تعدّل ميزان القوى وتؤكد قدرة الحكومة على استرجاع مواقع مهمة سريعاً. وقد يهدّد القتال في إقليم عفر المجاور الطريق إلى موانئ جيبوتي التي تمر عبرها معظم تجارة أثيوبيا الخارجية، بما فيها واردات الوقود. أما القطيعة الديبلوماسية بين أديس أبابا وأسمرة وتبادل الاتهامات مع سلطة بورتسودان، فيزيدان مخاطر اتساع الصراع إلى الجوار.
وترتبط الإمارات بعلاقات سياسية واقتصادية مهمة مع أثيوبيا، ما يجعل استقرارها مهماً لاستقرار القرن الأفريقي. ومن هنا جاء موقفها الداعم لوحدة البلاد وسيادتها والرافض لتغيير نظامها الدستوري بالقوة. كما أدانت هجمات جبهة تحرير شعب تيغراي والتحالف المسلح، ودعت إلى وقف القتال وحماية المدنيين والعودة إلى الحوار وفق اتفاق بريتوريا. ويواكب الموقف حضور اقتصادي إماراتي متنامٍ في المنطقة، في وقت تؤثر فيه التطورات الأمنية في حسابات دولية على امتداد البحر الأحمر.
أما التطور الآخر في القرن الأفريقي، فيتمثل في سعي هرجيسا إلى توظيف الأهمية الاقتصادية والأمنية لموقعها في تطوير علاقتها بواشنطن. وجاءت زيارة رئيس أرض الصومال عبدالرحمن محمد عبدالله "عِرّو" إلى الولايات المتحدة ضمن تحرك يطرح مجالات للتعاون في الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والخدمات اللوجستية والاستثمار. ويضيف ميناء بربرة بعداً اقتصادياً مهماً، لارتباطه بممر بري إلى إثيوبيا يمنحها منفذاً إضافياً للتجارة الخارجية.
تهديدات الملاحة قرب باب المندب تعزّز جاذبية العرض لدى الأميركيين. ويضيف الحضور العسكري الصيني في جيبوتي عاملاً آخر في الحسابات الأميركية. كما وثّقت تقارير أممية تعاوناً متزايداً بين الحوثيين وحركة الشباب في تهريب السلاح والتدريب والدعم اللوجستي، ما يزيد حساسية المواقع المطلة على خليج عدن في مواجهة التهديدات البحرية.
تواجه مساعي هرجيسا قيوداً تتعلق بعلاقة واشنطن بالحكومة الفيدرالية في مقديشو وتعاونها معها ضد حركة الشباب، إلى جانب رفض الاتحاد الأفريقي وتحفظ عدد من دول المنطقة على الاعتراف باستقلال أرض الصومال. وسجّل الاعتراف الإسرائيلي مكسباً لتحركها السياسي، لكنه لا يعني انتقال الولايات المتحدة إلى الموقف نفسه. فأي تغيير في السياسة الأميركية قد يؤثر في التعاون الأمني القائم والعلاقات مع الأطراف الرافضة للخطوة.
قد يتقدم التعاون بين واشنطن وأرض الصومال أسرع من الاعتراف بها. فتوسيع الاتصالات والتنسيق والتسهيلات يتيح تطوير المسار تدريجياً، ويمنح هرجيسا مكاسب عملية. أما الانتقال من الانفتاح القائم إلى اعتراف رسمي فيحتاج إلى قرار سياسي أميركي، خاصة مع استمرار الاعتبارات التي تحد من تغيير الموقف الحالي.
تطورات مضيقي هرمز وباب المندب تمنح الضفة الأفريقية وزناً أكبر في حسابات الدول وتحالفاتها. لكن زيادة الاهتمام الدولي قد تدعم التسويات أو تعمّق التنافس، بحسب طريقة إدارة المصالح والخلافات. ومن منظور خليجي، يرتبط استقرار القرن الأفريقي بصورة متزايدة بأمن المنطقة وحركة التجارة، ما يجعل التعامل مع تحولاته جزءاً من المصالح الخليجية السياسية والاقتصادية والأمنية.
*كاتب إماراتي
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض