طلب جديد لصندوق النقد: مديرون لتشديد الرقابة على المصارف اللبنانية؟
كما انتهت زيارة بعثة صندوق النقد الدولي لبيروت، هكذا كانت حال نتائج زيارة الموفد الاقتصادي الخاص للرئيس الفرنسي جاك دو لا جوجي، على الرغم من بعض التمايز في مواقف كلا الجهتين من ملف الخسائر المالية. إلا أن الترددات لا تزال قائمة في مسعى لمحاولة تقريب وجهات النظر بهدف التعجيل في مسار إقرار قانون الانتظام المالي.
تعيين مشرفين في المصارف
وبرز في هذا السياق طرح الصندوق تعيين مديرين أو مشرفين في بعض المصارف، وهو موضوع خلافي وشائك ولا سيما بالنسبة إلى المصارف التي تنظر إلى إجراء مماثل على أنه بمنزلة رصاصة الرحمة على ما تبقى من ثقة بالقطاع. ففي بلد يحاول إعادة بناء قطاعه المصرفي واستعادة علاقته بالنظام المالي الدولي، تصبح هوية هؤلاء المديرين وصلاحياتهم ومصدر اختيارهم مسألة تتجاوز الرقابة التقليدية، لتلامس مباشرة القرار المصرفي وحركة الأموال.
ماذا عن الأموال المرتبطة بحزب الله؟
صحيح أن مصرف لبنان يملك أدوات رقابية واسعة، ويحق له تعيين مدير موقت على أيّ مصرف يرى أنه في حال تعثر، كما كانت الحال مع ٣ مصارف عُيّن مديرون موقتون لها، وأن الإطار التنظيمي المصرفي شهد في الأشهر الأخيرة مزيداً من الإجراءات لإعادة تنشيط المصارف وتشديد المتابعة والامتثال، ولا سيما بعدما أصدر مصرف لبنان في أيلول 2026 تعميماً جديداً عن إجراءات استثنائية لإحياء عمل المصارف، إلا أن خلف هذا المسار المالي البحت سؤالاً سياسياً ـ مالياً يفرض نفسه: هل تأتي فكرة المشرفين أيضاً استجابة لمتطلبات خارجية تتعلق بمراقبة حركة الأموال المرتبطة بـ"حزب الله"؟
معلوم أن الاقتراح جاء من صندوق النقد، والسؤال حتماً لا يأتي من فراغ. فواشنطن صعّدت خلال هذه السنة حربها المالية على شبكات الحزب، مستهدفة شبكات وشركات وأفراداً قالت وزارة الخزانة الأميركية إنهم يجمعون الأموال وينقلونها أو يساعدون على تجاوز العقوبات. وفي آب الماضي، تحدثت الخزانة تحديداً عن شبكات تنقل مئات ملايين الدولارات نقداً بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران خارج النظام المالي الرسمي.

من هنا، يرى البعض أن وجود مشرفين داخل المصارف يمكن أن يوفر مستوى إضافياً من الرقابة على التحويلات والحسابات والعمليات غير الاعتيادية، بما يطمئن الجهات الدولية إلى أن النظام المصرفي اللبناني لا يشكل منفذاً لتمويل شبكات خاضعة للعقوبات.
تداعيات
لكن إجراء كهذا سيكون له تداعياته ما لم يقترن برزمة متكاملة من التدابير تحت مظلة قانون إصلاح المصارف، لأن الرقابة على المصرف لن تكون من خلال إدارتها، بل عبر إدارة جديدة، وإن كانت تتسم بالطابع الموقت أو الظرفي!
هكذا تتركز المخاوف المصرفية على احتمال أن يتحول المشرف من مراقب للامتثال إلى طرف قادر عملياً على تعطيل العمليات، أو طلب الموافقة على تحويلات وقرارات يفترض أن تبقى من صلاحية الإدارة المصرفية. وعندها قد تتحول الرقابة من أداة لحماية المصارف إلى عامل يبطئ عملها ويزيد المخاطر القانونية عليها. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من أين سيأتي هؤلاء المشرفون؟ وهل يكونون من كوادر مصرف لبنان أو لجنة الرقابة على المصارف، أو من خبراء مستقلين في التدقيق والامتثال ومكافحة تبييض الأموال؟ أو أن هناك توجهاً للاستعانة بخبرات مصرفية دولية يطمئن إليها الخارج القلِق من استمرار العمليات المالية من خارج النظام المالي؟
تردّ مصادر مصرفية بالقول إن أصحاب المصارف سيواجهون مثل هذا الإجراء ولن يوافقوا على تعيينات لا تتوافق مع مصالحهم. أما إذا بلغت الأمور هذا الحد، فقد يختارون استيعاب هؤلاء المشرفين والتعامل معهم كجزء من الواقع الرقابي الجديد، ما دام وجودهم يساعد المصارف على إثبات التزامها المعايير الدولية. لكن الاختبار الحقيقي وفق المصادر، لن يكون في اسم المشرف ولا في الجهة التي يأتي منها، بل في حدود صلاحياته.
إذا كان المطلوب حماية المصارف من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات، فهذه مهمة رقابية مفهومة. أما إذا أصبح المشرف صاحب كلمة فعلية في كل حركة أموال، فإن الوضع يصبح أخطر ومصدر قلق: هل نحن أمام رقابة مصرف لبنان على المصارف، أو أمام إعادة تعريف لمن يملك القرار داخل المصرف اللبناني؟
هذا تحديداً ما ينبغي أن يكون واضحاً قبل بدء التجربة: من يعيّن؟ من يراقب المشرف؟ من يحاسبه؟ وما الذي يستطيع أن يوقفه أو يوافق عليه؟ لكن المصادر استبعدت أن يتحول هذا الأمر إلى خطوة جدية في ظل المحاذير التي يطرحها، ما لم يكن الأمر حاصلا بالتفاهم مع المصارف!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض