11 سبتمبر و7 أكتوبر: سقوط وهم الحصانة السينمائية

كتاب النهار 02-10-2026 | 06:24

11 سبتمبر و7 أكتوبر: سقوط وهم الحصانة السينمائية

تحليل لهجمات 11 سبتمبر و7 أكتوبر وتأثيرها على الوعي الأمني في الولايات المتحدة وإسرائيل، وكسر وهم المناعة الأمنية.

11 سبتمبر و7 أكتوبر: سقوط وهم الحصانة السينمائية
فلسطينيون يسيطرون على دبابة إسرائيلية بعد عبور السياج الحدودي مع إسرائيل من خان يونس في جنوب قطاع غزة، 7 أكتوبر 2023. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في أفلام البطل الذي لا يُهزم، يصل المنقذ قبل أن تنتهي المهلة. قد تتعطل أجهزة الدولة، وقد تتفوق عليها عصابة كاملة، لكن رجلاً واحداً يُعيد ترتيب العالم. يعرف المشاهد أن الخوف مؤقت، وأن النهاية محجوزة للنجاة. في 11 أيلول/سبتمبر 2001، وفي 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، خرج الأميركيون والإسرائيليون إلى واقع لا يحترم هذا الاتفاق. كان القتل حقيقياً، وكانت النجدة عاجزة عن إنقاذ الجميع، وكان على الناجين أن يعيشوا بعد نهاية لا تشبه الأفلام.

 

هجوم 11 سبتمبر 2001. (أ ف ب)
هجوم 11 سبتمبر 2001. (أ ف ب)

 

انكشاف القوة

إلى جانب الخسائر البشرية التي لا يعوّضها شيء، دمّر هجوما 11 سبتمبر و7 أكتوبر ضماناً نفسياً عميقة: الاعتقاد بأن هناك من يعرف الخطر قبل وصوله، ويمتلك القدرة على اعتراضه. هنا يكمن التماثل الأشد دلالة بين الحدثين. القوة العسكرية بقيت قائمة، لكن المسافة بين امتلاكها والشعور بالحماية انكشفت فجأة. تستطيع الدولة أن تقصف هدفاً بعيداً، فيما يعجز مواطنها عن الاطمئنان في بيته في يوم عادي.

 

الأمن لا يُبنى على أوهام القوة المطلقة التي تغذيها الأفلام والمسلسلات، بل على الواقعية، والتواضع الاستراتيجي

 

لقد بنت الولايات المتحدة، عبر أفلام "رامبو" لسيلفستر ستالون، وأعمال أرنولد شوارزينغر، ومسلسلات الأكشن التي تصور الجيش الأميركي قوة لا تُقهر، صورة للبطل الأميركي القادر على قهر الجيوش الجرارة والأشرار في أي بقعة من العالم. هذه الصورة لم تكن ترفاً فنياً، بل كانت جزءاً من "الوعي الأمني" الأميركي الذي صدق أن بلاده محصنة داخل حدودها، وأن أعداءها هم دائماً في الخارج، وأن التكنولوجيا والاستخبارات يمكن أن تمنع أي تهديد من الوصول إلى القلب.

في المقابل، رسمت إسرائيل، عبر مسلسلات مثل "فوضى" و"طهران"، ومن خلال تجسيد الجندية في الجيش الإسرائيلي غال غادوت شخصية "المرأة الخارقة" في السينما العالمية، صورة مضخمة للبطل الإسرائيلي: محارب يتسلل إلى عقر دار العدو، الذي يهزم "العرب" بذكاء خارق وشجاعة لا تُحد، والذي يجعل من إسرائيل قلعة منيعة لا تُختَرَق. 

هذه السرديات لم تكن ترفيهاً بقدر ما كانت أداة لتأكيد التفوق الأمني والنفسي، ولزرع فكرة أن إسرائيل قادرة على التحكم في مصيرها وفي مصير محيطها... وفي مصير العالم الشرير كله.

 

ملصق الموسم الثالث من مسلسل
ملصق الموسم الثالث من مسلسل

 

وهم المناعة المحطم

لكن 11 سبتمبر 2001 و7 أكتوبر 2023 كشفا زيف هذه السرديات. في الحالتين، مثل الهجوم اختراقاً رمزياً للوعي الوطني: وجد الأميركيون أنفسهم "حفاة عراة ضعفاء" أمام تهديد لم تتوقعه أجهزتهم الاستخباراتية الضخمة، ووجد الإسرائيليون أنفسهم في الحالة نفسها حين اقتحم مقاتلو "حماس" مستوطنات غلاف غزة، وقتلوا وأسروا مدنيين وجنوداً في قلب ما ظن الإسرائيليون أنه أشد المناطق تحصيناً.

التأثير النفسي للحدثين أقسى من أي تأثير عسكري أو سياسي مباشر: تحطم "وهم المناعة" الذي غذته عقود من الدعاية الثقافية. الأميركي الذي اعتاد أن يرى بلاده شرطي العالم، شعر فجأة بأن بلاده ضحية وحدودها قابلة للاختراق. والإسرائيلي الذي نشأ على رواية "الجيش الذي هزم العرب كلهم في 6 ساعات" و"الموساد الذي يعرف كل شيء"، واجه حقيقة أن أعداءه قادرون على التخطيط والتنفيذ في وضح النهار، رغم أنف التكنولوجيا والأسوار والأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة.

في نيويورك، اصطدمت صورة القوة العظمى بمشهد مدنيين يهربون من سحابة الغبار. وفي جنوب إسرائيل، انقلب السؤال من قدرة الجيش على الوصول إلى أعدائه إلى قدرته على وصوله سريعاً لإنقاذ مواطنيه. وفي مجموعات نقاش أجراها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ونشر نتائجها في عام 2024، تحدث المشاركون عن تحطم تصورهم السابق للأمن، وعن ثقة كانوا يضعونها في قدرة الجيش على حمايتهم. كانت شهادات عن انهيار وعد شخصي جداً، يتجاوز الخلل في خطة عسكرية.

 

مناطق اختراق مسلحي حماس مستوطنات غلاف غزة في جنوب إسرائيل
مناطق اختراق مسلحي حماس مستوطنات غلاف غزة في جنوب إسرائيل

 

صحوة قاسية

يمكن أن يعود منطق الفيلم/المسلسل ليحكم ما بعد الكارثة: عدو تختزل فيه الشرور، وبطل يُطلب إعفاؤه من الأسئلة حتى ينهي المهمة، وهذا واضح جداً في "فوضى". لكن المدنيين في أفغانستان والعراق وغزة يعيشون خارج هذا السيناريو، وأي قراءة للصدمة الأميركية أو الإسرائيلية تفقد معناها الأخلاقي عندما تمنح أصحابها احتكار الألم، أو تجعل جراحهم تفويضاً مفتوحاً لإيلام الآخرين.

11 سبتمبر و7 أكتوبر لحظتان من لحظات "صحوة قاسية" من حلم البطولة السينمائية، علّما الأميركيين والإسرائيليين درساً مؤلماً: الأمن لا يُبنى على أوهام القوة المطلقة التي تغذيها الأفلام والمسلسلات، بل على الواقعية، والتواضع الاستراتيجي، والاعتراف بأن العدو بشري، وقادر على الإبداع. وربما تكون المصالحة مع هذه الحقيقة، والتخلي عن وهم "البطل الذي لا يُقهر"، خطوة أولى نحو أمن أكثر استدامة، ووعي أكثر نضجاً، لا يعتمد على السرديات الخيالية، بل على حقائق مريرة يفرضها الميدان.

 

7 أكتوبر… زلزال لم ينتهِ (تصميم النهار).
7 أكتوبر… زلزال لم ينتهِ (تصميم النهار).

 

 

7 أكتوبر… زلزال لم ينتهِ - ملف خاص من "النهار"

 

2- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: حاخامان في روايتين متناقضتين لـ"النهار"… إسرائيل تحمي اليهود أم تهدّدهم؟

3- من غزة، أحمد زقوت: 3 أعوام وعائلته تحت ركام غزة... رامز يحكي لـ"النهار" عن وجع لا ينتهي

4- غوى خيرالله: 7 أكتوبر بعد ثلاث سنوات… ماذا بقي من روايات الساعات الأولى؟

5- غاندي المهتار: "7 أكتوبر" وحرب السرديات: من أين تبدأ الحكاية؟

 

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 9/29/2026 1:06:00 PM
لم تقتصر المقاطع المنتشرة على إعادة تركيب مشاهد قديمة، بل ذهبت إلى حد وضع شخصيات "باب الحارة" في مواقف معاصرة.
فن ومشاهير 9/28/2026 7:03:00 PM
الصورة، بتفاصيلها العفوية، قدّمت جانباً مختلفاً من حياة الأمير الحسين والأميرة رجوة.