حماية المجال العام في الخليج من الفتنة والتّحريض!
إن أحد مصادر القلق الرئيسية يأتي من "الشعبوية". فهي لا تصنع الخلافات بالضرورة، لكنها تعمّقها وتحوّلها إلى نزاعات دائمة!
الخليج العربي الذي نعيش في كنفه، وخلق بحكاياه الجميلة ذاكرة جماعية لشعوبه، أكبر من مجرد مساحة جغرافية متجاورة؛ بل هو التداخل المجتمعي والثقافي والعائلي، وهي صلاةٌ تكونت منذ ما قبل تأسس الدولة الوطنية الحديثة.
هذا الفضاء الواسع عملية الحفاظ على كينونته وسلامته أمر ضروري، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وبروز قراءات متعددة لأفضل الطرق للتعامل مع المتغيرات الجارية.
لا يحتاج استقرار الأمن المجتمعي الخليجي – برأيي الشخصي – إلى تطابق المواقف أو اختفاء التباينات. ما تحتاجه منطقتنا هو قدرة عملانية على إدارة الآراء، ومنع تحول هذه التعددية الطبيعية إلى خطاب فتنوي تحريضي يمارسه البعض في المنصات الإلكترونية!
من هذه الزاوية، يمكن فهم ما كتبه وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري تحت وسم "خليجنا واحد" حين أكد أنه "قد تتعدد الرؤى والمواقف، لكن تبقى روابطنا أعمق"، مشدداً على أن "الخليج يجمعنا بأكثر من حدود ومصالح مشتركة؛ تجمعنا أخوة راسخة، وامتداد اجتماعي وثقافي وإنساني صنعته أجيال، وتواصل مسيرته أجيال".
الشعبوية ووسائل التواصل
إن أحد مصادر القلق الرئيسية يأتي من "الشعبوية". فهي لا تصنع الخلافات بالضرورة، لكنها تعمقها وتحولها إلى نزاعات دائمة! لأن رأي فرد لا خبرة سياسية أو ثقافية لديه، يتحول بسبب قوة منصات التواصل الاجتماعي إلى رأي عام، ولو نسبياً، إلا أنه قد يكون مؤثراً أو دافعاً نحو مواقف حادة، خصوصاً وسط الاضطرابات الأمنية والاعتداءات العسكرية التي طالت دول الخليج العربي.
خطورة ذلك تزداد حين تنشط الحسابات المجهولة، والتي تستدعي حساسيات وطنية أو مذهبية أو عرقية، تنتشر سريعاً في المنصات المختلفة، خالقة شجارات عدمية تُستخدم فيها ألفاظ نابية وشتائمية ولغة أقلوية انعزالية، تتنافى والقيم الأخلاقية العليا التي تربت عليها المجتمعات الخليجية.
معالجة هذه المشكلة بالدرجة الأولى مسؤولية مؤسسات الدولة، عبر وجود قانون يجرّم الخطابات العنصرية والعرقية، ويمنع استخدام الفضاء العام مساحة للتحريض والكراهية. هذا بالطبع لا يعني الحجر على حرية التعبير، أو تعطيل النقد الموضوعي، أو التضييق على حق الإنسان في إعلان آرائه المختلفة، ما لم يكن هنالك اعتداء على حقوق الآخرين أو اعتداء عليهم.
أيضاً، هنالك مسؤولية على المجتمع المدني، عبر تعزيز الوعي، وعدم التفاعل مع الخطابات المجهولة أو المحرضة، والتحلي بقدر كبير من الحذر تجاه النزاعات التي تريد أطراف ثالثة تغذيتها لأهداف سياسية وحزبية!
تطابق إماراتي - سعودي
لهذا، جاءت في السياق نفسه تدوينة رئيس "الهيئة الوطنية للإعلام" في الإمارات عبد الله آل حامد، مكملة للمعنى "فلا نترك لكلمة عابرة أن تغيّر نظرتنا لبعضنا البعض، أو لصوت مسيء أن يختصر صورة أهلنا"، مضيفاً: "ما بيننا يستحقّ أن نحفظه بحسن الظنّ، وأن نزيده قوّة بالسؤال والزيارة والتواصل، وبكلام يقرّب القلوب".
إن "لحمتنا الخليجية أقوى، ومصيرنا واحد، ومسؤوليتنا في الإعلام أن نصون هذه الروابط"، كما أكد وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري. وذلك لأن "صون الروابط" سيجعل المجتمعات الخليجية أكثر قوة في مواجهة التحديات التي تواجهها، وتستطيع عبر ذلك التغلب على المصاعب.
ما سبق يقودنا بوضوح إلى أمر في غاية الدقة، وهو أن إدارة تعدد وجهات النظر لا تستدعي إخفاءها؛ بل إبقاءها في حجمها الطبيعي، وضبط أدواتها، وحماية المجتمع من الأصوات التي تغذي الغرائزية المقيتة، ومنح مساحات أكبر للخطابات العقلانية التي تروم تعزيز المشتركات والبناء عليها بوعي وصبر وبصيرة.
نبض