صح النوم

كتاب النهار 19-09-2026 | 06:03

صح النوم

هل بات النوم أيضاً مرحلة أخرى من مراحل لعبة الفيديو المطولة هذه المدعوة الحياة، والتي يجب علينا الفوز بها، والتفوق على أرقامنا السابقة فيها، ومحاولة بلوغ الكمال فيها؟

صح النوم
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

جعلت يومي يتكوّن من الإنجازات المصغّرة، فأمشي 10 آلاف خطوة لئلا أشعر بأني الدب الكسلان، وأشرب ليترين من الماء لتعوم فوقهما حصوات كليتي، وأتناول -أو أحاول- حصة من الخضروات لأتوهم معها بأني لا أفتقر إلى المعادن والفيتامينات. 

 

إنها طريقة ممتازة لتطبيع العادات الإيجابية، وضمان استمراريتها. وربما السبيل الوحيد للنجاة عموما هو في التعامل مع الحياة كلعبة فيديو، فكل يوم هو مرحلة جديدة نجمع نقاطها من خلال إنجاز سلسلة من المهمات البسيطة المحددة ليتسنى لنا تخطيها. 

 

ولأن الكثيرين منا باتوا يعيشون بعقلية "سوبر ماريو"، فإن مصنّعي أجهزة تتبع اللياقة البدنية تفطنّوا لذلك، وبدأوا -في رأيي- في تحويل النعمة إلى نقمة.

 

دكتاتور على رسغك


أحد أشهر هذه الأجهزة يعمل على مراقبة النوم أيضاً إلى جانب إحصائه الخطوات، وقياسه معدل نبضات القلب، ومعدلات الأوكسجين في الدم، وغيرها العديد من المميزات. تستيقظ صباحاً فتجد على هاتفك "تقييماً" شاملاً ودقيقاً ومن دون رحمة لنومتك، وكأنما كنت طالباً قضى الليل بطوله في حل اختبار صعب. 

 

ولا يقتصر التقييم على عدد ساعات النوم، فهو كذلك يقيّم كفاءته، لأن الجهاز يعرف متى نمت حقاً ومتى كنت مستيقظاً "تتقلب على جمر الغضا"، وانتظام ساعات النوم والاستيقاظ مقارنة بالأيام الماضية، والإجهاد خلال النوم.

 

بل يقيّم الجهاز "مديونيتك" من النوم، ولا أدري بعد كل هذا التقييم القاسي أتسددها لنفسك، أم للجهاز الذي يحاسبك ويوبخك؟ ومديونيتك هي مقدار النوم الإضافي الذي تحتاجه لتعويض نومك الناقص في الأيام المنصرمة. 

 

هل بالغنا؟

 

 

بينما يشعر البعض بالامتنان لهذه الخصائص المتطورة، والتي تبقيهم على اطلاع دائم على جانب مهم من جوانب صحتهم، فإنها تجعلني أتساءل:

 

متى يتوقف الإنسان المعاصر عن الحاجة إلى "الأداء" و"الإنجاز" حين يتم تقييم "مستوياته" حتى وهو مغمض العينين، وفاقد الوعي؟ 

 

هل بات النوم أيضاً مرحلة أخرى من مراحل لعبة الفيديو المطولة هذه المدعوة الحياة، والتي يجب علينا الفوز بها، والتفوق على أرقامنا السابقة فيها، ومحاولة بلوغ الكمال فيها؟ هل أصبح النوم مدعاة أخرى للقلق من التقصير وانخفاض الكفاءة وسوء استغلال الوقت؟ يا له من مشهد سريالي مرعب!

 

وكم أضحك حينما تبعث لي إحدى الصديقات المقربات بتقييم نومها في الليلة الماضية، إذ لم تعد تكتفي بالتذمر من إيقاظ أطفالها المزعجين لها، بل صارت تستشهد -كالرياضيين المهووسين بأرقامهم القياسية- بالنسبة المئوية الرديئة التي وضعها لها الجهاز، وكأنما تصدقها أكثر من تجربتها المعاشة.  

 

بل لو تواجد بيننا قيس بن ذريح، والمُلقب بـ"مجنون لُبنى"، لما كتب بيته الشهير:
وإني لأهوى النوم في غير حينه                                              لعل لقاءٌ في المنام يكونُ
فلقاء المحبوبة في المنام سيتسبب في ارتفاع معدل ضربات قلبه العاشق،  ما سيعصف بمقياس إجهاد النوم لديه، ليستيقظ الشاعر بتقييم مخز -والعياذ بالله-.

 

متى نرتاح إن كان حتى نومنا يخضع للقياس والتقييم؟

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/18/2026 12:20:00 PM
قد تكون المعلومات العبرية دقيقة، ولكن في الآن عينه قد تصب في سياق الدعاية الإعلامية الإسرائيلية ضد السلطات السورية,
اقتصاد وأعمال 9/18/2026 9:11:00 AM
ارتفاع إضافي بأسعار البنزين والمازوت اليوم... كم بلغت؟
لبنان 9/18/2026 1:20:00 PM
في آب الماضي، اتخذ قرار بإقفال ثانوية الأخطل الصغير في الجديدة. وفي 9 أيلول الحالي، اتخذت وزارة التربية قراراً بتحويلها مركز إيواء!
لبنان 9/17/2026 8:11:00 PM
أقرّ مجلس الوزراء إدراج ستة رواتب إضافية للقطاع العام في موازنة 2027، إلى جانب تعيينات إدارية ومشروع استثماري في الشمال، وأرجأ بند البعثة الأوروبية.