.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
التصعيد في العلاقات المغربية الإسبانية، يجد مرة أخرى، خلفيته أساساً في الموقف من ملف الصحراء المغربية، وليست أحداث سبتة سوى الشجرة التي يريد الإسبان إخفاء الغابة وراءها.
لا تزال أحداث سبتة المحتلة تتفاعل على الساحة الإسبانية والأوروبية وتنتج مواقف متعارضة، باعتبار أن مختلف التيارات السياسية الإسبانية مصرة على توظيف الأزمة ورقة انتخابية، وهو ما يعطيها استمرارية في الزمن وفي الوقت نفسه تشنجاً وتناقضاً في مختلف الخطابات. ولعل أبرز ما أفرزه هذا المشهد الإسباني "الدونكيشوتي"، هو صعوبة التمييز بين اليمين واليسار. هذا الأخير تحوّل، بشكل مؤسف، إلى مدافع شرس عن الإرث الاستعماري للدكتاتور فرانكو.
التصعيد في العلاقات المغربية الإسبانية، يجد مرة أخرى، خلفيته أساساً في الموقف من ملف الصحراء المغربية، وليست أحداث سبتة سوى الشجرة التي يريد الإسبان إخفاء الغابة وراءها، لكن هذه المرة يأتي التصعيد من بوابة مختلفة: بوابة الهوية والجنسية وإعادة تعريف بعض آثار المرحلة الاستعمارية الإسبانية. فقد صادق مجلس النواب الإسباني، في 10 أيلول/سبتمبر 2026، على قانون يتيح لمن ولدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، قبل سنة 1977، ولأبنائهم، اكتساب الجنسية الإسبانية وفق الشروط المحددة في النص. ويقدر عدد المستفيدين المباشرين المحتملين بأكثر من 70 ألفاً.
هذا التطور يطرح سؤالاً أعمق من مجرد مسألة الجنسية في جانبها الإنساني وعندما تكون فردية: هل تعيد إسبانيا، بشكل مباشر أو غير مباشر، إنتاج بعض التصورات التي تشكلت خلال المرحلة الاستعمارية، وفي مقدمتها تصور وجود جماعة سياسية منفصلة عن الدولة المغربية؟
هنا تبرز الحاجة إلى العودة للتاريخ، بعيداً عن الشعارات السياسية. فمفهوم "الشعب الصحراوي" الذي يوظف لتوصيف قومية مفترضة، ليس مفهوماً يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة تاريخية ثابتة. لقد تشكلت حول سكان الصحراء، خلال الحقبة الاستعمارية، سرديات وتصنيفات جديدة. وتكتسب دراسة الأرشيف الإسباني أهمية خاصة في فهم هذه العملية، كما تبرز أعمال باحثين مغاربة، من بينهم رحال بوبريك، في تحليل كيفية إنتاج المجتمع الصحراوي وتمثيله داخل الخطاب الاستعماري.
نشير هنا مثلا إلى الدور الذي قامت به مجلة África: revista de tropas coloniales، التي تأسست سنة 1924 واستمرت لاحقاً بأشكال مختلفة إلى سنة 1978، والتي كانت جزءاً من منظومة النشر والدراسات المرتبطة بالمؤسسة الاستعمارية الإسبانية؛ وتوثق المكتبة الوطنية الإسبانية نفسها ارتباطها بتاريخ القوات الاستعمارية والدراسات الإسبانية الإفريقية. وكانت ذراعاً إيديولوجية ساهمت في محاولة خلق هوية متخيلة لأهل الصحراء مفصولة الواقع التاريخي.
لكن التاريخ الاجتماعي للصحراء ظل عصياً وأكثر تعقيداً من التصنيفات الاستعمارية الرخوة. فالقبائل الصحراوية كانت مرتبطة بشبكات اقتصادية وروحية وقبلية واسعة تمتد نحو وادنون ودرعة وسوس والمجال المغربي عموماً، كما شاركت قيادات صحراوية في مقاومة التوسع الاستعماري الفرنسي والإسباني. لذلك فإن إسقاط أحد المفاهيم الحديثة التي تقوم عليها "الدولة القومية"، بصورة آلية على واقع قبلي متحرك في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إنما هو مجرد قراءة انتقائية للتاريخ.