عن النواب والنوائب في لبنان

كتاب النهار 18-09-2026 | 04:08

عن النواب والنوائب في لبنان

عنوان كبير للجلسة البرلمانية تنضوي تحته هناوين فرعية: تكريس الانقسام. لا شيء جديداً، انقسام حاد حول مستقبل البلد ومناوشات حول الحكومة والثقة بها. والكل يعلم أن إسقاط الحكومة يعني فراغاً حكومياً مديداً.
عن النواب والنوائب في لبنان
جلسة مجلس النواب. (حسام شبارو)
Smaller Bigger

يومان من المبارزة والمشاحنة الاستعراضية في البرلمان اللبناني. سوق عكاظ من الردح المكرّر أمام كاميرات التلفزيونات وميكروفونات المراسلين. استحضر النواب قدراتهم الخطابية وملفاتهم المصفرّة ولغتهم ذاتها بمفرداتها وثيماتها. جلسات البرلمان فرصة مثالية لا تفوت للصامتين دهراً لإظهار مواهبهم ومناقبيتهم والتزامهم بوعودهم الانتخابية التي لم يُنفذ منها شيء تقريباً.


يعتقد هؤلاء أنهم يمسكون فعلاً بتلابيب السياسة وأن قرار البلد في أيديهم؛ ببدلاتهم الأنيقة يطلّون واحداً بعد الآخر على منبر المؤسسة المفترض أنها ممثلة للشعب، يتبارون في استعراض معاناة الشعب والمطالبة بحقوقه، تعلو أصواتهم ويتشاحنون، ويشتم بعضهم البعض الآخر -ويحسب لهم أنهم لم يتعاركوا بالأيدي- لكنهم يتبادلون الأحاديث في الكواليس، وقد يضحكون معاً على الشعب المسكين الذي انتخبهم.


إدارة بري

يدير رئيس البرلمان نبيه بري الجلسة من منصته المرتفعة، ويتسلى بمراقبة مجموعة من صبيان السياسة، فينهرهم عندما يتجاوزون الحدّ، ويوزّع عليهم الدور في الكلام محدداً الوقت لكلّ منهم بعناية. الأستاذ لا يمزح في النظام الداخلي للصف، لكنه يعرف كيف يستوعب المشاغبين ومتى يوقف الانزلاقات. لا يقمع بشدّة، ولا يرخي الحبل، فكلهم "أولاد"، وهو يعرف كيف يمون عليهم أو يسكتهم. لكن الامور لا تسير دائماً على هذا المنوال، فالررؤوس الحامية لا تلتزم دائماً بالنظام وانتظار الدور.


عنوان كبير للجلسة البرلمانية تنضوي تحته عناوين فرعية: تكريس الانقسام. لا شيء جديداً، انقسام حادّ حول مستقبل البلد، ومناوشات حول الحكومة والثقة بها؛ والكلّ يعلم أن إسقاط الحكومة يعني فراغاً حكومياً مديداً؛ فطبقة سياسية لا تتفق على تعيين عميد في الجامعة أو موظف في وظيفة شاغرة ستعجز عن تأليف حكومة بيسرٍ، والشواهد كثيرة.


يظن "نواب الأمة" أنهم يمثلون الشعب فعلاً، وهم الممدة ولايتهم بقانون هم أقرّوه، وأقرّوا معه زيادة رواتبهم، فيما الشعب يجاهد لتأمين حاجاته الضرورية. يتقاتلون على سلاح "حزب الله"، ويرددون المعزوفة ذاتها؛ كلّ يتمسّك بوجهة نظره. السياديون يريدون نزع سلاح الحزب، ولهم حججهم ومنطقهم، والحزب ومن معه يتمسّكون بالسلاح، ولهم حججهم.


عقّد ممثلو الشعب (أيّ تمثيل) المهمة على أنفسهم وعلى غيرهم. كرّسوا معادلة يصعب تفكيكها: من يطالب بحصرية السلاح بيد الدولة، بعد نزعه من "حزب الله"، هو "إسرائيلي"، أو على الأقل يؤيد مشروعها ومطالبتها بنزع سلاح الحزب. ومن يتمسكون بسلاح الحزب وعدم تسليمه للجيش اللبناني هم "إيرانيون" منخرطون في مشروع طهران التوسّعي الإقليمي.


كل الكلام الآخر في الجلسة وخارجها هو للاستهلاك الشعبوي. يعرف النواب أن الوضع الاقتصادي أشدّ تعقيداً ممّا يتصوره البعض، وأن الدولة مفلسة وعاجزة، وأن الشعب يئن، وأن الحكومة لا تجد موارد لتغطية زيادات الرواتب إلا بفرض مزيد من الضرائب. ولو كانت هموم الشعب تهمّهم لخجلوا من زيادة رواتبهم آلاف الدولارات، ومعظمهم من الميسورين، إذا لم يكونوا من الأثرياء الكبار!


تكريس الواقع

ضمناً، يعرف النواب أيضاً أن مشكلة لبنان مرتبطة بالصراع الكبير الدائر في المنطقة وفي العالم. وإذا لم يكونوا يعرفون فتلك مصيبة! لبنان جزء من هذا الصراع متعدّد الأوجه. صحيح أنه لا نفط ولا غاز ينتجهما البلد، الذي قيل إنّه نفطيّ وغازيّ يوماً ما، لكنه في جوف الصراع على المنطقة، ولو من دون إرادة شعبه، الذي بات بأغلبيته يريد الخروج من هذا الصراع لكنه لا يملك الأدوات التي تتيح له ذلك.


لن ينزل الشعب إلى الشارع مثلما فعل السوريون قبل أيام، عندما رفعت حكومتهم أسعار المحروقات. لن يلتقي "الإسرائيليون" و"الإيرانيون" في ساحة الشهداء حتى لو بلغت أسعار البنزين خمسين دولاراً. الجماهير ممسوكة جيداً، وإن تفلّت بعضها من القيود.


كرّست الجلسة واقعاً كان قائماً. جدّدت الثقة بالحكومة في تصويت يعكس الانقسام السياسي الحادّ في البلد واستحالة التغيير، وتابع اللبنانيون فصلاً جديداً من مسرحية حفظوها عن ظهر قلب، وتسلّوا بـ "الأكشن" الذي حجب معاناتهم الحقيقية. إنها جلسة اللاشيء.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/1/2026 7:02:00 PM
مشاهد لاتصال بين الرئيس السوري أحمد الشرع وآخر رئيس حكومة في عهد الأسد تكشف ترتيبات حماية مؤسسات الدولة وطمأنة السكان خلال الساعات الفاصلة قبل دخول المعارضة دمشق.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
اسرائيليات 11/1/2026 8:45:00 AM
صحيفة معاريف الإسرائيلية: "من المتوقع أن تكون مدن الساحل اللبناني، وخصوصاً صور وصيدا، من أبرز أهداف الهجمات"
لبنان 11/1/2026 12:00:00 PM
معلومات "النهار" تشير إلى أن ممراً سريعاً داخل قاعة جديدة في مطار بيروت الدولي بات في مراحل تشييده الأخيرة، ويُتوقع أن تدخل هذه الخدمة حيز التنفيذ في غضون اسابيع .