في ذكرى "جمول"... أيّ خيارات لاستعادة الجنوب؟
خسر "حزب الله" منشأة علي الطاهر، وفجرت إسرائيل أنفاقها، بعدما عمل طوال عقدين على بنائها ضمن استراتيجيته لمواجهة الاحتلال. والواقع أنه بعد حرب تموز 2006 باتت كل مواقعه شبه مكشوفة حين تحوّل منذ عام 2000، تاريخ تحرير الجنوب، من مقاومة إسلامية إلى جيش نظامي مرتبط في شكل وثيق بمرجعيته الإيرانية، ولديه مؤسسات مالية واجتماعية وتربوية شبيه بالدولة.
انكشاف بنية "حزب الله" العسكرية كان واضحا في تدخلاته الإقليمية، خصوصاً عندما تدخل في سوريا عام 2012 نصرة لنظام الأسد عبر تشكيلات عسكرية ساهمت في القتال ضد المعارضة السورية، ولا سيما الجهادية منها.
منذ ذلك الوقت لم يعد يُطلَق توصيف المقاومة على "حزب الله"، بل صار قوة نظامية داخل الدولة وطرفا أهليا مسلحا خرج من ساحته جنوباً إلى دور إقليمي، ليبرر سلاحه تحت عنوان توازن الردع، ويعتمد على قوة صاروخية لم تظهر فاعليتها في الحرب الأخيرة، إذ إن الاحتلال كان مقتصراً قبل إسنادي 2023 و2026 على مزارع شبعا المختلف عليها لبنانياً وسورياً، ولدى الأمم المتحدة، فإذا بالحزب اليوم وهو يعلن أنه لا يتمسك بالجغرافيا في مواجهة إسرائيل، يخسر مقاتليه المكشوفين في الميدان، فيما احتلت إسرائيل كل القرى والمدن من بنت جبيل إلى الخيام، وأخيراً علي الطاهر على مشارف النبطية، وحولت القرى إلى مناطق غير قابلة للحياة، وإن كان لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية ومواقع، إلا أن نمط قتاله لا يشبه المقاومة التي كانت غير مكشوفة قبل عام 2000.
مناسبة هذا الكلام أنه قبل 44 عاماً، في 16 أيلول 1982، أطلقت المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول"، وأجبرت الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من بيروت من دون شروط.
تحولت نسخة "حزب الله" إلى أداة إقليمية ساهمت في تصفية النسخة اللبنانية الأولى التي لم تكن تملك صواريخ ولا منشآت، وعملت قوى إقليمية على إنهاء استقلاليتها وفاعليتها، رغم أنها أجبرت الاحتلال على الانسحاب من مناطق واسعة، بينها صيدا والنبطية عام 1985
.
يطرح السؤال اليوم عن كيفية إخراج الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، وإن كانت الدولة وقّعت اتفاق الإطار وتجري مفاوضات لم تثمر تحقيقاً للانسحاب، فيما "حزب الله" يصرّ على سلاحه الذي أُخرج أصلاً من مقاومة إسرائيل، ولا يترك للبنانيين ولا للدولة ابتكار الأساليب المناسبة لاستعادة الأرض، حتى ولو طال الزمن. على أن إطلاق أيّ مقاومة يحتاج إلى تبرير الجدوى، وقد تكون غير ممكنة في ظل استمرار "حزب الله" في تقديم الذرائع لإسرائيل، بينما يمكن دعم الدولة والجيش للإمساك بالوضع الجنوبي وهو الخيار الوحيد المتاح في ظل الاختلال في الموازين والتغيّرات التي تشهدها المنطقة.
كانت لبنانية المقاومة هي الرد على كل التشكيك في القدرة على إخراج الاحتلال، إلى أن انحسر دورها لمصلحة "حزب الله" طرفا وحيدا بدعم إقليمي سوري وإيراني. ففي النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي بدأت سلطة الوصاية السورية بضرب العصب اللبناني للمقاومة وإنهاء دورها الاستقلالي.
عجز لبنان عن استثمار زوال الاحتلال طريقاً لتوحيد البلد وبناء الدولة، بعد التحرير عام 2000، فيما بقي التساؤل عن وظيفة سلاح "حزب الله" بعد خروج الاحتلال، حيت استُخدم بعضه في الداخل قبل أن يصير الحزب جيشاً بفائض قوة، فقد الكثير من رصيده اللبناني وساحته ومنزلته.
لن تكون أيّ مقاومة مجدية ضمن مشاريع إقليمية، وبقرار خارجي، لذا لا بد من نقاش بين اللبنانيين حول الخيارات والأساليب المجدية لإخراج الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الاعتبار إلى سلاح الدولة، وهذه وظيفة اللبنانيين قبل أن تأخذنا المغامرات إلى مزيد من الكوارث والنكبات.
Twitter: @ihaidar62
نبض