ديغول... ماذا نتعلم من الحروب؟
الرجل لم يكن في حياته موضع إجماع. كان له خصوم، وبعضهم كرهه بشدة، أما مناصروه فقد كان بطلاً في رأيهم.
أقرأ هذه الأيام كتاب جوليان جاكسون الضخم عن شارل ديغول الصادر بالعربية في جزءين عن مشروع "كلمة" في أبوظبي. وهي مؤسسة ثقافية ناجحة، وقد أرسله لي مشكوراً الدكتور أنور قرقاش. "سيرة شارل ديغول - فكرة محددة عن فرنسا" هي سيرة رجل، لكنها في الحقيقة سيرة فرنسا في أكثر سنواتها اضطراباً، ومن خلالها يمر القارئ على حربين عالميتين، الأولى والثانية، احتلال ومقاومة، وسقوط إمبراطوريات، وصعود أخرى، ثم محاولة الإجابة عن ذلك السؤال القديم المتجدد: ماذا تتعلم الشعوب من كوارثها؟
ديغول ونابليون
يقول المؤلف إن اسم ديغول في فرنسا اليوم يكاد أن يعلو على أسماء تاريخية كبرى، حتى نابليون بونابرت وهو من هو في التاريخ الفرنسي. و يستطرد المؤلف بالقول: من الصعب أن تمر بمدينة أو قرية فرنسية من دون أن تجد شارعاً أو ساحة أو معلماً يحمل اسم شارل ديغول. والمفارقة أن الرجل لم يكن في حياته موضع إجماع. كان له خصوم، وبعضهم كرهه بشدة، أما مناصروه فقد كان بطلاً في رأيهم، إلا أن الزمن فعل فعله، وبقي من ديغول ما هو أكبر من الخلاف على شخصه: بقيت مدرسة سياسية وفكرية تعبّر عن الدولة وعن فرنسا.
شارك ديغول شاباً في الحرب العالمية الأولى، وجرح أكثر من مرة. وفي معركة فردان أبيدت وحدته تقريباً حتى ظُنّ أنه قتل وتم نعيه، وتبين لاحقاً أنه وقع في الأسر الألماني. حاول الهرب من سجنه مراراً، ولم يساعده طوله الفارع على التخفي. وتروي سيرته أنه كان أسيراً صعباً، لا يريد التسليم بفكرة أن الحرب انتهت بالنسبة إليه لمجرد وقوعه في الأسر. بل عندما وصلت القوتان المتناحرتان إلى إطلاق بعض الأسرى من الجانبين، كان على من سيطلقون توقيع تعهد أن لا يعودوا إلى الحرب، رفض ديغول التوقيع وفضل الأسر!
هذه التفاصيل الصغيرة تقول شيئاً عن الرجل الذي سيظهر بعد ذلك بسنوات في لحظةٍ أشد قسوة.
في حزيران/ يونيو 1940 كانت فرنسا قد هُزمت أمام ألمانيا، والدولة تتهاوى والجيش يتراجع. غادر ديغول إلى لندن وأطلق نداءه الشهير إلى الفرنسيين. الفكرة التي حملها ذلك النداء كانت بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها: لقد هُزمنا لأن خصمنا امتلك وسائل لم نمتلكها، وسوف نمتلكها، وسوف تستمر الحرب، ولن تكون فرنسا وحدها.
كان يرى ما وراء الهزيمة الآنية. فهم أن ميزان القوى يمكن أن يتغير، وأن بناء تحالف واسع قادر على تغيير النتيجة. وهذا درس في السياسة كثيراً ما ننساه: الهزيمة ليست قدراً، كما أن الحماسة وحدها لا تصنع نصراً. عليك أن تعرف لماذا هُزمت، وأن تملك الوسائل التي افتقدتها.
عاد ديغول إلى فرنسا منتصراً، لكن السياسة لم تكن سهلة معه ولا كان هو سهلاً معها. خرج من الحكم، ثم أعادته أزمة الجزائر في عام 1958. توقع كثيرون، وبخاصة من العسكريين الفرنسيين في الجزائر، أنه جاء لينقذ "الجزائر الفرنسية". لكنه انتهى إلى نتيجة مختلفة: استمرار السيطرة على الجزائر لم يعد ممكناً ولا يخدم مستقبل فرنسا.
كانت الصدمة كبيرة. تمرد عسكريون، وظهرت منظمة عسكرية سرية، ووصل الأمر إلى تهديد الدولة نفسها. لكن ديغول مضى في الطريق الذي اعتقد أنه يخدم فرنسا، وانتهت حرب الجزائر بالاستقلال عام 1962.
وهنا أيضاً تظهر واحدة من صفات رجل الدولة: الفرق بين ما يريده الجمهور في لحظة معينة، وما يراه السياسي لمصلحة بلده على المدى الأبعد. ديغول لم يكن منزهاً عن الخطأ، ولا يحتاج التاريخ إلى صناعة قديسين، لكنه كان مستعداً لدفع ثمن قراره.
الاستفتاء
ثم جاء خروجه من السلطة بالطريقة نفسها تقريباً. طَرح في عام 1969 استفتاءً على إصلاحات سياسية وربط بقاءه بنتيجةٍ وازنة. لم يخسر الاستفتاء ولكن النتيجة كانت هامشية، فاستقال. لم يبحث عن مخرج دستوري، ولم يقل إن الشعب لم يفهم السؤال، ولم يطلب تمديداً حتى تتحسن الظروف. جمع أوراقه وغادر. إلا أن أكثر ما شدّني في الكتاب ليس ديغول وحده. إنها تلك الصفحات التي تصف أوروبا وهي تأكل أبناءها بشراسة في حربين عالميتين. أعداد هائلة من القتلى والجرحى، مدن مدمرة، عائلات اختفت، واقتصادات انهارت. وفي الحرب الأولى بخاصة كان الصراع الفرنسي- الألماني طاحونة بشرية، يصعب علينا اليوم تصور حجمها. بعد الحرب الأولى سقطت إمبراطوريات، وبعد الثانية لحقت بها إمبراطوريات أخرى. تغير العالم كله تقريباً. والأهم أن الأوروبيين، بعد كل ذلك الدم، بدأوا يتعلمون شيئاً فشيئاً أن إدارة الاختلاف أقل تكلفة من إدارة الحروب. لم يصبحوا ملائكة، ولم تختفِ مصالح الدول، ولا صراعاتها، لكنهم طوروا مؤسساتهم من الداخل، ووسعوا المشاركة السياسية، وبنوا آليات لتداول السلطة، وأيضاً لحل الخلافات، ثم أخذوا يبحثون عن صيغ تجعل الحرب بينهم أصعب من السابق. وتحولت أوروبا المتحاربة الى الاتحاد الأوربي، وهنا أخذني الكتاب بعيداً عن ديغول إلى منطقتنا. نحن أيضاً مررنا بحروب كثيرة، ولا نزال نعيش آثار حروب جديدة، دول تمزقت، ومدن دمرت، وملايين نزحوا أو هاجروا، وثروات هائلة أنفقت في الصراع. السؤال ليس من انتصر ومن هزم. السؤال الأصعب: ماذا تعلمنا من هذا الصراع الممتد؟
الحرب ليست مدرسة جيدة، لكنها مدرسة باهظة الثمن. الأوروبيون دفعوا الرسوم كاملة، ثم حاولوا ألا يدفعوها مرة أخرى. أما نحن، فأخشى أننا في كل مرة ندفع الرسوم، ثم نعيد دراسة المقرر نفسه. ربما تكون هذه أهم فكرة خرجت بها حتى الآن من صحبة ديغول: الأمم لا تتقدم لأنها لا تخطئ، بل لأنها تتعلم من أخطائها. أما تكرار الخطأ، فليس قدراً.
نبض