غزة ليست فائضاً سكانياً... والتهجير اسم آخر لاستمرار الصراع

كتاب النهار 10-09-2026 | 04:25
غزة ليست فائضاً سكانياً... والتهجير اسم آخر لاستمرار الصراع

غزة وطن، وأي سلام يبدأ بترحيل أصحابه ليس سلاماً، بل اسم آخر لاستمرار الصراع.

غزة ليست فائضاً سكانياً... والتهجير اسم آخر لاستمرار الصراع
غزة ليست أرضاً خالية لمشروع عقاري، ولا سكانها فائض بشري قابل للتوزيع. (أ ف ب)
Smaller Bigger

أخطر ما في خطة "فك الارتباط 710" التي طرحها إيتمار بن غفير ليس أرقامها الفادحة، بل فكرتها السياسية، تحويل أكثر من مليوني فلسطيني من شعب صاحب أرض وحقوق وطنية إلى "مشكلة سكانية" تبحث إسرائيل عن دول تقبل استيعابها. فالخطة لا ترى غزة جزءاً من أرض فلسطينية محتلة، ولا سكانها أصحاب حق في البقاء وتقرير المصير، بل مساحة يراد إعادة تصميمها بعد تقليص عدد أهلها.

حتى الآن، لا تمثل الخطة قراراً حكومياً نافذاً، وإنما برنامجاً قدمه بن غفير وحزب "القوة اليهودية"، ويسعى إلى جعل إنشاء وزارة للهجرة شرطاً للمشاركة في الحكومة المقبلة. 

واسم "فك الارتباط 710" يجمع بين الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 وهجوم السابع من أكتوبر 2023. يريد اليمين بذلك تقديم الهجوم باعتباره دليلاً على أن خطأ إسرائيل لم يكن في الاحتلال والحصار وإغلاق الأفق السياسي، بل في الانسحاب. ومن ثم يصبح "تصحيح الخطأ" ليس تسوية الصراع، وإنما إخلاء الأرض من معظم سكانها وإعادة السيطرة عليها.

سبب الإصرار على التهجير ليست الانتخابات وحدها، فهناك عقيدة لدى قطاعات من اليمين ترى أن الصراع يحسم ديموغرافياً، وأن تقليص الوجود الفلسطيني يلغي إمكانية دولته. وهناك أيضاً مصلحة انتخابية، كلما رفع بن غفير السقف، اقتربت منه بقية قادة اليمين.

أما نتنياهو، فيتحرك بين التطرف والبراغماتية. فقد أيد ما تسميه حكومته "الهجرة الطوعية"، لكنه ابتعد عن مطلب إعادة المستوطنات. يسمح لحلفائه برفع السقف من دون تبنيه كاملًا، فيختبر ردود الفعل، ويحافظ على تحالفه، ويقدم نفسه الى واشنطن بصفته أكثر اعتدالاً. غير أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس قال إن إسرائيل مستعدة لإخراج الفلسطينيين بحراً وجواً وبكل وسيلة إذا توافرت الموافقة الأميركية، وإن الخطة جُمدت ولم تُلغ. كما أنشأت وزارة الدفاع في 2025 إدارة معنية بـ"الهجرة الطوعية". 

هنا يظهر أخطر تلاعب لغوي، وصف التهجير بأنه "طوعي". فالطوعية لا تقاس بتوقيع الفلسطيني عند المعبر، بل بوجود بديل آمن يتيح له البقاء. عندما تُدمر المساكن والمستشفيات، ويتعطل الإعمار، وتُقيد مواد الإيواء، ثم يُعرض المال والخروج إلى بلد آخر، لا نكون أمام حرية حقيقية. الاختيار بين الخيمة والمنفى ليس اختياراً حراً. فالتهجير قد يبدأ بهدم شروط البقاء ثم تقديم الرحيل كحل وحيد. ولهذا تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة النقل القسري والترحيل من الأراضي المحتلة بصرف النظر عن الدافع.