ما بعد الإنجاز... رسالة من الإمارات إلى العالم العربي
في الرسالة تحذير استراتيجي يتجاوز الإمارات إلى عالمنا العربي، فالحضارات لا تتراجع فجأة وإنما عندما تتوقف عن التطور وتكتفي بمنجزات الماضي...
نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رسالة إلى أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حملت في ظاهرها مشاعر الأخوة والمحبة ورفقة المسيرة، لكنها في عمقها تجاوزت العلاقة بين قائدين لتقدم قراءة في فلسفة بناء الدولة واستدامة منجزاتها.
استعرض الشيخ محمد بن راشد في رسالته محطات من مسيرة الشيخ محمد بن زايد؛ من الميدان العسكري إلى العمل الإنساني والعلاقات الدولية وقيادة الدولة، مستحضراً إرث الشيخ زايد وقيمه في الحكمة والرحمة ووحدة الوطن. لكن أكثر ما يستحق التأمل هو أن الرسالة لم تتوقف طويلاً عند الماضي، بل اتجهت نحو المستقبل من قطاعات مختلفة مثل التعليم والاقتصاد والشباب والمسؤولية واستدامة الإنجاز.
ومن أجمل صورها حديثه عن طفلة تذهب كل صباح إلى مدرستها بأمان لا تعرف تعقيدات السياسة والاقتصاد لكنها تثق بأن لها مستقبلاً في وطنها. هنا تختصر فلسفة الدولة الناجحة التي تعتمد على الإنجاز الحقيقي وليس ما تكتبه الحكومات في تقاريرها، بل ما يشعر به الطفل من أمن وما يراه الشاب من فرصة وما يملكه الإنسان من ثقة بالغد.
وفي الرسالة تحذير استراتيجي يتجاوز الإمارات إلى عالمنا العربي، فالحضارات لا تتراجع فجأة وإنما عندما تتوقف عن التطور وتكتفي بمنجزات الماضي. والأكثر أهمية هو التحذير من انتقال الشباب من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الاستحقاق بمعنى أن يرث الجيل الجديد المكتسبات من دون أن يشعر بمسؤوليته عن حمايتها وتطويرها.
وهنا أحد أهم الدروس العربية وهي أن الثروة وحدها لا تصنع دولة، والموارد لا تضمن المستقبل، والتاريخ لا يحمي أصحابه إذا توقفوا عن صناعة تاريخ جديد. الدولة المستدامة هي التي تحوّل التعليم إلى أولوية سيادية، والعلاقات الدولية إلى جسور للمصالح، والطموحات إلى مؤسسات، والأفكار إلى مشاريع، والثروة إلى اقتصاد متنوع، والجيل الجديد إلى شريك في صناعة المستقبل.
بين الإنجاز والضجيج
وفي هذه المعاني أيضاً رد أكثر قوة على من يهاجم الإمارات أو يحاول اختزال تجربتها في سرديات التشويه. فالرد الاستراتيجي على الخصوم ليس الدخول في سجالاتهم كل يوم بل ترك الواقع يتحدث عن الأمن والاستقرار والاقتصاد، والتعليم والمشاريع والتنافسية وقدرة الدولة على الاستمرار والتجدد. كما ان الإنجاز المتراكم أقوى من الضجيج العابر.
ولعل الرسالة الأهم إلى العالم العربي هي أن المنافسة التي نحتاجها ليست في الشعارات ولا في الخصومات، بل هي في من يبني مدرسة أفضل واقتصاداً أقوى ومؤسسات أكثر كفاءة وإنساناً أكثر أمناً وثقة بمستقبله.
فالمنجزات قد يصنعها جيل، أما الدول العظيمة فتصنع أجيالاً قادرة على حماية المنجز وإضافة منجز جديد إليه.
نبض