.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
معادلة النفوذ الإيراني في العراق أكثر تعقيداً من ثنائية "حليف" أو "عبء"، فما منح طهران قدرة كبيرة على التأثير في القرار العراقي خلال مراحل سابقة، قد يتحول، في تطور الظروف، إلى مصدر ضغط عليها...
ركزت إيران على مبدأ "تفوق حلفائها" بالسلطة في العراق، بمعزل عن أي آليات يمكن أن تنتجها الديموقراطية، مما ساهم بصعودهم السياسي وفرض إرادتها في تشكيل الحكومات وفي صوغ التوجهات والقرارات السيادية. ومن أجل هذا المبدأ لم تتردد إيران في الانخراط لتقريب المصالح ما بين القوى الشيعية الموالية لها، لاعتقادها أن أي ضعف أو خلل بين شبكة الحلفاء السياسيين والفصائل المسلحة، سيكون انحساراً لنفوذها. وما زيارات مسؤوليها على امتداد الأزمات السياسية الشيعية، إلا تعبيراً عن ذلك الاعتقاد، لكن هذه الرعاية أعطت إيماناً راسخاً لدى العراقيين بأن لا انفصال بين سلوك إيران وحلفائها، وصعوبة الفرز بينهما، ما جعل إيران تتحمل أخطاء الحلفاء بكل المستويات.
شكلت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019، صدمةً فعلية لإيران؛ إذ كان خروج التظاهرات الرافضة لنفوذها ولمن تدعمهم بالقرار السياسي، انعكاساً لذلك الترابط الوثيق الذي دفع البلاد إلى مزيد من الانحدار في المشاركة السياسية والتضييق على معارضيهم ولسوء الإدارة والخدمات وتغول الفساد والسلاح.
آنذاك بدأت طهران تدرك الثمن الذي يمثله الحلفاء على نفوذها، فـ"انتفاضة تشرين" كانت المؤشر الأبرز على تغيير المزاج العراقي وحساسيته إزاء التدخلات الإيرانية في شؤونه الداخلية. ومع ذلك فهي لم تتراجع أمام لحظة التحول الشعبي هذه الداعمة لهوية ومكانة عراقية ولاستعادة الدولة من خاطفيها، بل زاد حلفاؤها بالفعل حين وقفوا ضد مطالب الإصلاح حين عدّوها "مؤامرة" وقاموا بتصفيتها فقط لأنها قالت "لا للتبعية ".
في ضوء حربها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وما قبل ذلك خسارتها لسوريا، لا تنظر إيران إلى حلفائها العراقيين على أنهم عبء بالضرورة، خصوصاً وهي توظف سلاح الفصائل ورقة ضغط أمني وعملياتي، فضلاً عن رغبتها في ظهور حلفائها بموقف سياسي داعم لمواقفها على المستوى الدولي بعدما فقدت أذرعها في المنطقة أو حتى حلفاءها الدوليين؛ لكن هذا التمسك تحول إلى عبء إضافي في طاولة المفاوضات مع واشنطن التي باتت تضع التخلي عن الأذرع أحد أهم الشروط لعقد صفقة إنهاء الحرب والإقصاء الاقتصادي. لذا فهي مضطره وفق حساباتها، وليس لمصلحة حلفائها، أن تستمر في تحمّل أكلاف هذه الأعباء، حتى بعدما ظهر تقاطع بين الحكومة العراقية وما بين الحرس الثوري حول ملف حصر السلاح بيد الدولة، والذي قد يكون بداية ابتعاد عراقي رسمي تدريجي من دائرة التأثير الايراني على القرار في بغداد .
على الأرجح، فإن معادلة النفوذ الإيراني في العراق أكثر تعقيداً من ثنائية "حليف" أو "عبء"، فما منح طهران قدرة كبيرة على التأثير في القرار العراقي خلال مراحل سابقة، قد يتحول، في تطور الظروف، إلى مصدر ضغطٍ عليها، يدفعها إلى التخلي عن الأعباء للحفاظ على نظام الولي الفقية والخروج بأقل الخسائر في العراق وبما لا يكرر سيناريو سقوط نظام بشار الأسد، خصوصاً أن حلفاءها فقدوا التأييد لسياساتهم؛ وربما تكمن المفارقة في أن نجاح النفوذ الإيراني لا يُقاس فقط بعدد الحلفاء الذين تملكهم طهران في بغداد، بل بقدرتها على الحفاظ على هذا النفوذ من دون أن يتحول إلى عامل يدفع العراق بعيداً عنها.