مفاتيح النيل ليست في أديس أبابا

كتاب النهار 03-09-2026 | 04:05
مفاتيح النيل ليست في أديس أبابا

النيل ليس هبة لدولة واحدة، ولا ملكاً لمنبعه أو لمصبه... إنه مورد دولي مشترك. ومن يملك القدرة على إقامة السدود لا يملك، بقوة الخرسانة، حق السيطرة على حياة الآخرين.

مفاتيح النيل ليست في أديس أبابا
نقطة التقاء نهر النيل الأبيض والنيل الأزرق
Smaller Bigger

الخطر في التصريحات الإثيوبية الأخيرة لا يكمن في حدّتها اللفظية وحدها، بل في الفلسفة التي تقف وراءها. فلسفة تختزل نهراً دولياً، تعيش عليه شعوب ودول، بمجرد مورد وطني تملك دولة المنبع مفاتيحه، وتقرر وحدها متى تمر مياهه، وبأي كمية، وربما في مقابل أي ثمن.

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قال إن "مفاتيح" النيل الأزرق أصبحت في أيدي الإثيوبيين، وإن النهر بات يتحرك وفق قرارهم وحدهم، هذا إعلان صريح عن الانتقال من المطالبة بالحق في التنمية إلى ادعاء الحق في التحكم المنفرد.

يتزامن ذلك مع خطط إثيوبيا لإقامة ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق بتكلفة إجمالية تقدَّر بنحو 10.5 مليارات دولار، وقدرة توليد تصل إلى نحو 5700 ميغاوات، أي أكثر قليلاً من قدرة سد النهضة نفسه. والمشروعات الثلاثة ليست مجرد أفكار نظرية، فقد أعادت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية طرحها في آذار/مارس الماضي من ضمن برنامج متكامل للسدود المتتابعة على النهر.

من حق إثيوبيا، بالطبع، أن تسعى إلى التنمية وإنتاج الكهرباء وتحسين حياة مواطنيها. ولم يكن الموقف المصري الجاد يوماً قائماً على إنكار هذا الحق. المشكلة تبدأ عندما تتحول التنمية من مشروع للتعاون إلى أداة للهيمنة، وعندما تتعامل دولة المنبع مع موقعها الجغرافي باعتباره سند ملكية للنهر كله.

هناك فارق جوهري بين القدرة المادية على حجز المياه، والحق القانوني في التصرف فيها. السد يمنح صاحبه قدرة هندسية على تنظيم التدفق، لكنه لا يمنحه سيادة قانونية على نهر دولي. وإلا تحولت الأنهار المشتركة في العالم إلى رهائن في أيدي دول المنابع، وصارت حياة مئات الملايين خاضعة لتقلبات السياسة وموازين القوة.

يستند الخطاب الإثيوبي إلى مبدأ "الاستخدام المنصف والمعقول"، لكنه يقدمه مبتوراً. فهذا المبدأ لا يعني أن تفعل كل دولة ما تشاء داخل حدودها، ولا يمنح دولة المنبع حق تحديد "حصتها" منفردة. العدالة في الأنهار الدولية تُقاس بمجموعة عوامل، تشمل حاجات السكان، والاعتماد القائم على النهر، والآثار المحتملة في الدول الأخرى، والبدائل المتاحة، والظروف البيئية والمناخية. وهي ترتبط ارتباطاً لا ينفصل بمبادئ التعاون، وعدم التسبب بضرر ذي شأن، وتبادل البيانات والإخطار المسبق بالمشروعات التي قد تؤثر في بقية دول المجرى. وهذه هي القواعد التي تقننها اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية.

والإخطار المسبق ليس بياناً سياسياً يعلن أن ثلاثة سدود ستُبنى خلال سنوات. إنه إجراء قانوني وفني يتضمن تقديم الدراسات والتصميمات، وتقييم الآثار البيئية والمائية، والسعات التخزينية، وبرامج الملء والتشغيل، وتأثير المشروعات مجتمعة في سنوات الجفاف الممتد، ثم إتاحة وقت كافٍ للدول المتضررة لدراسة هذه المعلومات والتشاور بشأنها.

الخطر هنا تراكمي. قد تقول إثيوبيا إن سدود توليد الكهرباء لا "تستهلك" المياه، وإن المياه نفسها تستطيع تشغيل أكثر من محطة في طريقها إلى السودان ومصر. وهذا صحيح من الناحية النظرية فقط. أما عملياً، فإن حجم التخزين، وتوقيت الملء، وقواعد التشغيل، وإدارة الجفاف، ومعدلات التبخر والتصرفات المفاجئة، كلها عوامل تحدد كمية المياه التي تصل إلى دولتي المصب وموعد وصولها. ومع وجود سلسلة متصلة من السدود، تتضاعف القدرة الإثيوبية على التحكم، وتتضاعف معها المخاطر إذا ظلت الإدارة منفردة وغابت القواعد الملزمة.

ويصبح الأمر أكثر خطورة بالنسبة إلى السودان، لأن سدوده ومنشآته وسكانه أقرب جغرافياً، ولأن هامش الاستجابة أمام أي تصريف مفاجئ أو خلل تشغيلي محدود للغاية. لذلك لا يمكن تقديم السدود الجديدة باعتبارها شأناً إثيوبياً داخلياً، أو مجرد مشروعات كهرباء لا تخص الآخرين.

أما دعوة وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو إلى مطالبة مصر بتعويضات أو مقابل مالي عن مياه النيل، فهي ليست اجتهاداً قانونياً بقدر ما هي محاولة لقلب قواعد الأنهار الدولية رأساً على عقب. فقد دعا جارسو صراحة إلى تعويض إثيوبيا لأن الجزء الأكبر من مياه النيل ينبع من أراضيها، ونشرت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية كلامه كاملاً.

لكن المياه التي تتكون داخل حوض دولي لا تصبح ملكاً تجارياً للدولة التي تهطل فيها الأمطار. وكما لا تدفع دول المصب رسوماً في مقابل الجاذبية التي تنقل المياه إليها، لا تستطيع دولة المنبع إصدار فاتورة عن ظاهرة طبيعية عابرة للحدود. يمكن للدول أن تتفق طوعاً على شراء الكهرباء، أو تمويل مشروعات حماية المنابع، أو تقاسم منافع التنمية، لكن ذلك شيء مختلف تماماً عن فرض "ثمن" على المياه الطبيعية.

واللافت أن إعلان مبادئ عام 2015، الذي وقعته مصر وإثيوبيا والسودان، وضع التعويض في موضع معاكس تماماً لما يقترحه جارسو، الدولة التي يتسبب استخدامها بضرر ذي شأن هي التي تتشاور مع الدولة المتضررة لإزالة الضرر أو تخفيفه، ومناقشة التعويض عند الاقتضاء. كما أكد الإعلان مبادئ التعاون، وعدم الإضرار، والاستخدام المنصف، وتبادل المعلومات.

المشكلة ليست ثلاثة سدود فقط، ولا عبارة استفزازية لمسؤول حالي أو سابق. إنها محاولة لتأسيس نظام جديد على النيل يقوم على الأمر الواقع، إثيوبيا تبني وتملأ وتشغّل، ثم تدعو دول المصب إلى التكيف مع النتائج، وربما دفع المقابل أيضاً.

لهذا، فإن الرفض المصري ليس اعتراضاً على التنمية الإثيوبية، بل دفاع عن الحد الأدنى الذي يجعل التعايش ممكناً. المطلوب ليس منع إثيوبيا من إنتاج الكهرباء، وإنما منع تحويل النيل الأزرق إلى صنبور وطني تتحكم أديس أبابا بفتحه وإغلاقه.

النيل ليس هبة لدولة واحدة، ولا ملكاً لمنبعه أو لمصبه... إنه مورد دولي مشترك. ومن يملك القدرة على إقامة السدود لا يملك، بقوة الخرسانة، حق السيطرة على حياة الآخرين.