"فقه الانتظار"… قراءة في علاقة الفقه الشيعي بالسلطة

كتاب النهار 01-09-2026 | 04:07

"فقه الانتظار"… قراءة في علاقة الفقه الشيعي بالسلطة

كيف انتقل جزء من الفكر الشيعي من موقف تقليدي يقوم على الابتعاد عن السلطة بل تحريم الاشتراك فيها، إلى نظرية «ولاية الفقيه» التي جعلت الفقيه في قلب الدولة والسياسة، بل في قمة متخذي القرار؟

"فقه الانتظار"… قراءة في علاقة الفقه الشيعي بالسلطة
غلاف الكتاب
Smaller Bigger

يُعد كتاب "فقه الانتظار" للباحث محمد السيد الصياد، الذي أصدره مركز رصانة – الرياض، من الكتب التي تحاول تتبع تطور الفكر السياسي الشيعي من زاوية تاريخية وفقهية وعلاقته بالسياسية، بعيداً عن الاقتصار على الجدل العقائدي.

 

ينطلق المؤلف من سؤال مركزي: كيف انتقل جزء من الفكر الشيعي من موقف تقليدي يقوم على الابتعاد عن السلطة بل تحريم الاشتراك فيها، إلى نظرية "ولاية الفقيه" التي جعلت الفقيه في قلب الدولة والسياسة، بل في قمة متخذي القرار؟

يعرض الكتاب مساراً تاريخياً طويلاً لفكرة السلطة في الفكر الشيعي. فبعد غيبة الإمام الثاني عشر، نشأ ما يعرف بـ"فقه الانتظار"، أي انتظار عودة الإمام الغائب بوصفه صاحب الشرعية الكاملة في إقامة الدولة العادلة. وخلال قرون طويلة، أدى هذا التصور إلى ميل أغلب الفقهاء الشيعة إلى تجنب تحمل المسؤولية السياسية المباشرة، والاكتفاء بالإرشاد الديني والقضاء وإدارة بعض شؤون المجتمع.

ويبين المؤلف أن هذا الموقف لم يكن مجرد انعزال عن الحياة العامة، بل كان يستند إلى مبررات فقهية وسياسية وتجارب سلبية. فمن جهة، كان كثير من الفقهاء يخشون أن يؤدي الدخول في الحكم إلى الفشل السياسي، بما يحمله من مسؤولية أمام الناس والتاريخ، ومن جهة أخرى، كانوا يدركون أن السلطة بطبيعتها تفرض قرارات صعبة، وأن أيّ حاكم سيجد نفسه عاجزاً عن إرضاء جميع المواطنين، مما يجعله عرضة للنقد والسخط الشعبي، وهو ما قد ينعكس سلباً على مكانة المؤسسة الدينية نفسها. كما أن السياسي يغيّر رأيه، وفي بعض الأوقات "يدلس" على الجمهور، ويسقط مقولات دينية على أفعاله، ليس لها مبرر!

يلاحظ الكتاب أن هذا الموقف (البعد عن السلطة) لم يكن مطلقاً، إذ عرف التاريخ الشيعي حالات شارك فيها بعض الفقهاء في إدارة الدولة أو في تقديم المشورة للحكام، سواء في العهد الصفوي أو القاجاري أو غيرهما. لكن تلك المشاركات بقيت محدودة، ولم تصل إلى حد أن يصبح الفقيه هو الحاكم الأعلى للدولة. ولذلك يرى المؤلف أن نظرية ولاية الفقيه تمثل تطوراً نكوصياً في الفكر السياسي الشيعي، أكثر من كونها امتداداً طبيعياً للإرث الفقهي التقليدي.

من النقاط التي يُثيرها الكتاب أن الأئمة أنفسهم، بحسب القراءة التي يقدمها المؤلف، لم يسعوا إلى ممارسة السلطة بوصفها هدفاً قائماً بذاته، بل كانت أولويتهم الحفاظ على الرسالة الدينية والأخلاقية. ويذهب إلى أن إدارة الدولة تفرض أحياناً قرارات قد تبتعد عن المثال الأخلاقي الكامل، وأن تحقيق العدل المطلق في الحياة السياسية أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً؛ لذلك فضّل كثير من الأئمة الابتعاد عن صراع السلطة، عندما رأوا أن كلفته تفوق منفعته.

وينتقل الكتاب بعد ذلك إلى التجربة الإيرانية المعاصرة، باعتبارها التطبيق الأبرز لنظرية ولاية الفقيه، منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. ويعرض المؤلف رؤية نقدية تعتبر أن انتقال المؤسسة الدينية من موقع الرقابة الأخلاقية إلى موقع السلطة التنفيذية والسياسية، غيّر طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع؛ فحين تصبح المؤسسة الدينية مسؤولة عن الاقتصاد والإدارة والسياسة الخارجية والأمن والخدمات، فإنها تصبح أيضاً مسؤولة عن النجاحات والإخفاقات اليومية، وهو ما يجعلها عرضة للمحاسبة الشعبية، كما هو حال أي سلطة سياسية. وإن لم تكن علنية – بسبب القمع– فإنها تبقى في ضمير المجتمع، الذي قد يدفع البعض إلى المعارضة الشديدة.

 

ويرى المؤلف أن نصف قرن من تطبيق ولاية الفقيه أفرز تحديات اجتماعية وسياسية معقدة، منها شعور قطاعات من المواطنين بالتهميش، أو ضعف المساءلة السياسية أو عدم تكافؤ الفرص بين المواطنيين، بل إلى مرحلة "التوريث" الذي قامت ولاية الفقيه نفسها بنبذه! ويشير إلى أن بعض المعارضين يربطون بين هذه الأوضاع وبين ارتفاع معدلات الابتعاد عن التدين الذي انتشر بين قطاعات إيرانية لم تعد سرية أو ضعف الثقة بالمؤسسة الدينية.

 

في المقابل، توجد قراءات أخرى ترى أن أسباب هذه الظواهر متعددة، وتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحولات الديموغرافية، وتأثير العولمة، والتغيرات الثقافية، ولا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد فقط.

 

كما يناقش الكتاب قضية تشكل النخب المستفيدة من استمرار النظام، حيث يرى أن النظام قد أفرز حلقات من القرابة، الأكثر موثوقية، وأن ارتباط بعض الفئات بمؤسسات الدولة يمنحها مصالح اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، تدفعها إلى الدفاع عن النظام القائم مهما كانت أخطاؤه. وهذه الظاهرة ليست حكراً على إيران، بل عرفتها معظم الأنظمة السياسية الشمولية عبر التاريخ، إذ تؤدي السلطة عادة إلى نشوء شبكات من المصالح المؤيدة لها.

 

تكمن قيمة كتاب "فقه الانتظار" في أنه لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يحاول تفسير التحول الفكري الذي نقل جزءاً من المؤسسة الدينية الشيعية من موقع الانتظار إلى موقع الحكم، كما يثير أسئلة مهمة حول مستقبل العلاقة بين الدين والدولة والعدالة والعلاقة بين الدول في العصر الحديث، وحدود السلطة الدينية، وإمكان الجمع بين القداسة الدينية ومتطلبات الإدارة اليومية للدولة.

 

مع ذلك، فإن الكتاب يظل في جوهره قراءة تحليلية تعكس اجتهاد مؤلفه؛ فالفكر الشيعي، الذي يضم مدارس متعددة تتباين في موقفها من ولاية الفقيه، بين مؤيد لها، ومؤيد بصيغ محدودة، ورافض لمنح الفقيه ولاية سياسية عامة.

 

في المحصلة، يقدم محمد السيد الصياد كتاباً يفتح باباً واسعاً لفهم أحد أكثر التحولات تأثيراً في الفكر السياسي الشيعي الحديث. سواء اتفق القارئ مع استنتاجاته أم اختلف معها، فإن الكتاب يظل مساهمة تستحق القراءة لأنها تطرح أسئلة تتجاوز الحالة الإيرانية إلى قضية أوسع، هي العلاقة المعقدة بين الشرعية الدينية ومقتضيات الحكم الحديث، وبين المثال الأخلاقي ومتطلبات السياسة، وهي أسئلة لا تزال حاضرة في الفكر الإسلامي المعاصر بأسره.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
لبنان 8/31/2026 2:14:00 PM
أعلنت وزارة الطاقة والمياه عن تسعيرة المولدات الكهربائية الخاصة لشهر آب 2026 مع تفاصيل الأسعار وآلية الضبط والالتزام بالتسعيرة الرسمية في لبنان