حصار إيران والنّموذج العراقي
بعد ثلاث جولات من الحرب على إيران، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن العقوبات الاقتصادية على إيران أكثر فاعلية وأقل كلفة من كل القاذفات والمدمرات والمدافع والصواريخ والمسيرات. لم تلوِ الجولات الثلاث من الضربات العسكرية ذراع إيران رغم الجروح التي أحدثتها في جسدها، بل زادتها عناداً وصلابة وإصراراً على المضي في المواجهة، ديبلوماسياً وعسكرياً، عبر قواها الذاتية وعبر تحريك أذرعها في المنطقة، لا سيما الحوثيين في اليمن، بعد همود حركة "حزب الله" في لبنان والفصائل الولائية في العراق.
القنبلة النووية وتحريض نتنياهو
قبل الحرب على إيران التي بات واضحاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جر صديقه الأميركي إليها بحجة أن إيران باتت على وشك تصنيع قنبلة نووية تهدد وجود إسرائيل، ولاحقاً أمن الدول الأوروبية وربما أميركا نفسها، قبل تلك الحرب التي لم يربحها أحد، كانت أميركا قد اعتمدت سياسة العقوبات الاقتصادية ضد إيران، وضد دول أخرى. فعلت ذلك إدارات جمهورية وكذلك ديموقراطية. كانت تلك ورقة ضغط أميركية "مثالية" وغير مكلفة لا بشرياً ولا عسكرياً ولا مادياً.
هل صحيح أن إيران كانت على وشك امتلاك قنبلة نووية؟ ولو كان الأمر كذلك هل كانت ستشكل خطراً على إسرائيل المدججة بالقنابل النووية القادرة على الوصول إلى أي مكان في إيران؟ لا مصدر يؤكد ذلك غير إسرائيل التي أقنعت ترامب وإدارته بذلك، حتى وإن كان ذلك صحيحاً، هل قضت الحرب فعلاً على قدرات إيران المستقبلية في المجال النووي؟ يصعب التكهن بذلك حتى لو سقط النظام في إيران يوماً ما.
عشية الحرب لم يكن النظام الإيراني في أحسن أحواله، كانت العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليه بسبب برنامجه النووي وتدخلاته الإقليمية قد أرهقت اقتصاده وعطلت جزءاً كبيراً من موارده النفطية فتآكلت قيمة عملته وسجل التضخم مستويات قياسية وتوقفت مشاريع التحديث والتنمية وقل الغذاء وشحت المياه. وفي خضم تلك الأزمات المتلاحقة هبت رياح الثورة أكثر من مرة واضطر النظام إلى تقديم تنازلات اجتماعية ما لبث المتشددون أن انقلبوا عليها وشددوا قبضتهم على الاقتصاد والشارع ولو بالدم. كان الوضع في إيران يوحي بانفجار شعبي قادم، لم يكن بحاجة إلى دعم مباشر لا من إسرائيل ولا من أميركا، كان إعلان واشنطن وتل أبيب دعمهما للحراك الشعبي في إيران عبئاً عليه. لم يكن نتنياهو يريد أن يسقط الشعب الإيراني النظام، كان يمنّي النفس بأن يقوم هو بذلك بالاشتراك مع ترامب. كان يفكر مثل أرييل شارون بأن المدى الحيوي لإسرائيل يصل إلى باكستان، وكان الشرق الأوسط الكبير الذي تشكل إسرائيل عاصمته حلماً بات قاب قوسين أو أدنى.
ترامب يعيد النظر؟
هل اقتنع ترامب بعدم جدوى الحرب العسكرية أم أنه بالأساس كان يخطط لإنهاك إيران قبل أن يعود لتغليظ العقوبات عليها (وعلى من يتعامل معها) بهدف إسقاطها في الشارع؟ الأرجح أنه أعاد النظر في استراتيجيته تجاه إيران، لا سيما بعدما أدرك خبث نتنياهو وخداعه. عاد إلى الحرب الناعمة الأكثر فاعلية، لكن على مدى أطول. لم يعد يريد استسلام إيران ولا قتل مرشدها وطبقتها السياسية. كل الاغتيالات لم تفقد النظام تشدده.
تغليظ العقوبات وتوسيعها سيكون سلاحاً أمضى. ليس خافياً الوضع المعقد للاقتصاد الإيراني الذي ستزيد العقوبات الجديدة من معاناته، ما سيضع النظام في مواجهة جديدة مع شعبه مهما تأخرت، ومن الطبيعي أن لا تأتي في ظل الحرب القائمة عل بلده. ستجد الطبقة الحاكمة في إيران نفسها أمام مشكلات كبيرة جداً عندما تسكت أصوات المدافع وترتفع أصوات الجائعين والمحرومين من المياه والكهرباء ومن الغذاء. ليس صعباً التقاط إشارات إيرانية عن "ليونة" في بعض الأماكن، لا سيما في مضيق هرمز الذي يصر ترامب على أنه مفتوح، وهو كذلك جزئياً، وتعلن إيران عن اتفاق لتقاسمه مع عُمان.
الحرب من دون حرب جربها الأميركيون في عراق صدام حسين. فرضوا على العراق حصاراً طويلاً في العشرية الأخيرة من القرن الماضي، جوّعوا أهله وحرموهم من الغذاء والدواء بذريعة وجود أسلحة محرمة دولياً بتواطؤ بريطاني ومن الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولما "استوت الطبخة" احتلوا العراق عام 2003 مستغلين هجمات تنظيم "القاعدة" (في أفغانستان) في أيلول/سبتمبر في نيويورك وواشنطن.
سواء كان ترامب تخلى عن الحرب العسكرية أم ما زال يعتبرها خياراً ممكناً، يعرف العالم والإيرانيون تحديداً أنه قصير النفس و"ملول" ويغير رأيه بسرعة، وربما يكون بحاجة لإنجاز ولو بسيطاً ليمحو نهاره كلام ليله.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.
نبض