المقاربة الإماراتيّة في أفريقيا

كتاب النهار 25-08-2026 | 04:20

المقاربة الإماراتيّة في أفريقيا

المقاربة الإماراتية في أفريقيا تقوم على فهم واقعي للمصالح. فالإمارات ترى في القارة مستقبلاً اقتصادياً واعداً يستحق الاستثمار، ودول أفريقية عديدة ترى في الإمارات شريكاً يوفر رأس المال والخبرة والقدرة على تحقيق النتائج.

المقاربة الإماراتيّة في أفريقيا
تجاوزت الالتزامات الاستثمارية الإماراتية في أفريقيا 110 مليارات دولار بين عامي 2019 و 2023
Smaller Bigger

تبدأ قراءة العلاقات الإماراتية - الأفريقية من احترام سيادة دول القارة واستقلالية قرارها. فأفريقيا لم تعد ساحة تنتظر القوى الخارجية لتحدد لها شركاءها، ودولها أقدر على معرفة مصالحها واختيار العلاقات التي تخدم أولوياتها. وبعض القراءات التي تختزل الحضور الإماراتي في مشروع نفوذ تقصر عن فهم طرف أساسي في العلاقة، وهو الدول الأفريقية نفسها وقرارها في بناء هذه الشراكات.

 

ويمتد التواصل مع دول القارة إلى السنوات الأولى لقيام دولة الإمارات، وتطورت خلاله الصداقة والتعاون مع عدد كبير منها. ومع تطور الدولة واتساع اقتصادها، انتقلت العلاقات إلى مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. لذلك فإن الحضور الإماراتي الحالي امتداد لمسار قديم اكتسب مع الوقت مضموناً اقتصادياً أوسع.

 

وتوضح الاستثمارات حجم التحول؛ فقد تجاوزت الالتزامات الاستثمارية الإماراتية في أفريقيا 110 مليارات دولار بين عامي 2019 و2023، منها نحو 70 ملياراً في الطاقة المتجددة. والأهم من حجم الأموال اتجاهها إلى قطاعات تحتاج إليها الاقتصادات الأفريقية للنمو، فيما ترى الإمارات في القارة أسواقاً وفرصاً اقتصادية واعدة. فالمصلحة متبادلة، وهي أحد أسباب استدامة الشراكة.

 

وتشكل الموانئ والخدمات اللوجستية جزءاً رئيسياً من الحضور الاقتصادي الإماراتي في القارة. فقد بنت الإمارات جانباً مهماً من تجربتها على التجارة والموانئ وربط الأسواق، ومن الطبيعي أن تنقل شركاتها الوطنية خبرتها إلى أسواق أخرى. ومن المؤكد أن شبكة بهذا الحجم تمنح الدولة وزناً اقتصادياً واستراتيجياً، لكن هناك فارقاً بين نفوذ ينشأ من الاستثمار والتجارة ومشروع يسعى إلى فرض الإرادة. فالاستثمارات تتم عبر اتفاقيات تجارية مع الحكومات التي اختارت تطوير موانئها وشبكاتها اللوجستية وفق مصالحها.

 

تغيرت أفريقيا وطريقة تعاملها مع العالم. دول القارة توسع خياراتها بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا والهند وتركيا ودول الخليج وغيرها، وتبحث عن الشريك القادر على تقديم الاستثمار والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق بما يخدم أولوياتها التنموية. وقد دخلت الإمارات مبكراً في هذه المرحلة بأدوات اقتصادية جديدة تتناسب مع أولوياتها وأولويات شركائها. لذلك تصبح أسباب اختيار دول أفريقية للإمارات شريكاً جزءاً أساسياً من فهم العلاقة.

 

كما أن التعامل مع أفريقيا باعتبارها سوقاً واحدة يغفل التباين بين دولها. فما تحتاج إليه دولة في شرق القارة يختلف عن أولويات دولة في غربها أو جنوبها، وهو ما يفسر اختلاف طبيعة الشراكات الإماراتية من دولة إلى أخرى. فالعلاقة تتشكل مع كل دولة وفق احتياجاتها والفرص التي يراها الطرفان، وليس وفق نموذج يفرض على القارة.

 

ويمتد التعاون من مجالات الاستثمار القائمة إلى قطاعات ستؤثر في مستقبل الاقتصادات الأفريقية. فالأمن المائي والتقنيات الناشئة أصبحا جزءاً من الشراكة، ومن بينها مبادرة إماراتية بقيمة مليار دولار للذكاء الاصطناعي من أجل التنمية في أفريقيا. والمشاركة الإماراتية الأخيرة في ملتقى قيادات أنظمة المياه والصرف الصحي في رواندا تقدم مثالاً على توجه يربط الاستثمار في المياه بالتنمية والأمن الغذائي والنمو الاقتصادي.

 

ويستحق الصوت الأفريقي مساحة أكبر في أي تقييم لهذه العلاقات. فمن غير المتوازن تفسير الشراكات من منظور طرف واحد، ثم التعامل مع الحكومات الأفريقية وكأنها خارج معادلة القرار. والأفارقة أقدر على تقييم ما تحققه هذه الشراكات لدولهم من مصالح وفرص. واحترام سيادة دول القارة يفترض أيضاً احترام خياراتها والاستماع إلى رؤيتها لعلاقاتها مع العالم.

 

المقاربة الإماراتية في أفريقيا تقوم على فهم واقعي للمصالح. فالإمارات ترى في القارة مستقبلاً اقتصادياً واعداً يستحق الاستثمار، ودول أفريقية عديدة ترى في الإمارات شريكاً يوفر رأس المال والخبرة والقدرة على تحقيق النتائج. ومن الطبيعي أن تمنح هذه المصالح الإمارات مكانة ودوراً اقتصادياً متنامياً في القارة، والمهم أن ذلك جاء عبر الشراكة والاستثمار والعمل مع الدول الأفريقية. وعندما تكون الشراكة اختياراً بين دول ذات سيادة، تصبح المصالح المشتركة أساساً أكثر دقة لقراءة العلاقة الإماراتية – الأفريقية.

 

 *كاتب إماراتي

 

   

الأكثر قراءة

كتاب النهار 8/24/2026 5:34:00 AM
الهدف الذي تريده أميركا، هو إنهاء "حزب الله"، أو أقله إضعافه بحيث لا يبقى مقرراً في البلاد.
اقتصاد وأعمال 8/24/2026 5:45:00 AM
على خط مواز لتوسعة مطار بيروت، يجري بحث خيار الافادة من مطار القليعات لاستقبال ونقل المسافرين السوريين.
مجتمع 8/24/2026 9:55:00 AM
قوى الأمن الداخلي توقف متورطين في شبكة دعارة في عدد من المناطق اللبنانية
فن ومشاهير 8/22/2026 12:46:00 PM
صعدت طيبة إلى جانب والدتها، لتشاركها أغنية "مش مغرورة".