أربعة أماكن إذا زُرتَها غيَّرَت حياتَك
نعيش أيّامنا في هذه الدنيا. ننخرط ذهناً وقوّةً وإرادةً في يوميّاتها. نلاطف الدنيا وتلاطفنا أحياناً، وتقسو علينا أحياناً أخرى حتّى لو لاطفناها.
في أزمنة رخاء الدنيا ورغدِها ونسيمِها العليل، نفقد أحياناً علاقتنا الحيويّة بما يدور حولنا من ألم وفقر ومرض وعذاب. نفقد ملامستنا الحسّية للعالم الحقيقي The Real World. يشغُلنا نجاحنا ومالنا ونفوذنا عمّا يدور قربنا. في هكذا حال، وفي مرّات عديدة، "بيِبرُم الدولاب" فجأةً من حيث لا نتوقّع. يمرض قريبٌ منّا مرضاً عُضالاً، أو تشحّ موارد المال الّتي كنّا تعوّدنا دفقها، أو يعاكس الزمن استقرار علاقةٍ زوجيّة من حيث لم نتوّقع، أو نفقد بعض صحّتنا في وقتٍ كنّا في أمسّ الحاجة إلى الصحّة لتحقيق أحلامنا المهنيّة. باختصار تصفعُنا الحياة صفعةً "بتبرمنا بَرِم" من حيث لا نريد ولا ندري. تتغيّر أحاسيسنا فجأة. يتعكّّر المزاج. نلجأ إلى الصلاة مترجّين الله عوناً وتغييراً في واقع الحال الجديد.
ماذا حدث بالفعل؟ ما حصل يتلخّص بأنّ الدنيا دارت دورتها وعرّجت الآن علينا، وأنّ العالم الحقيقي تذكَّرَنا فزارنا زيارةً غير ودّية "ما كانت لا عَ البال ولا ع الخاطر"! يربكنا الوضع الجديد. نعيش في بعض المرّات نكراناً denial، فنقنع أنفسنا بأنّ شيئاً حقيقيّاً لم يتغيّر وبأنّ ما يحصل هو غيمة صيف عابرة ليس إلّا.
أسأل نفسي أكثر من مرّة كيف أستعد لعاصفةٍ في صيف حياتي؟ وكيف أتهيّأ لشتاء في آب؟ "معقول تشتّي بآب"؟ نعم معقول.
أربعة أماكن، إذا زرتَها في عمر مبكر، قبل أن تخطفك بهرجات الدنيا وأوهام القوّة الغبيّة وزيف السعادة الوهميّة، وَصلتكَ بأرض الواقع، بالعالم الحقيقي، وأعطتكَ قناعاتٍ تهدّئ من اندفاعاتك غير المجدية أحياناً، وتنقلُكَ من شقّك المُتْعَوي في الحياة إلى قسمها العقلاني المتبصِّر. فما هي هذه الأماكن الأربعة؟
على المرء أن يزور وهو في عزّ شبابه وقوّته ونفوذه المأوى والمستشفى والمقبرة والسجن. زيارة المأوى تعطيك فرصة أفضل لتدرك أنّ لا شيء دائماً في هذه الدنيا ومنها الصحّة والشباب. زيارة المستشفى قد تولّد عندك قناعةً مفادها أنّ الصحّة هي عطيّة من الخالق، والّتي لولاها، لما استطعتَ أن تنجز شيئاً، وفي غيابها لن تحقّق الكثير. أمّا زيارة المقبرة فمن شأنها أن توقظ فيك حتميّة مصير كلّ إنسان، حتميّة عودته إلى الّلاشيء، وربّما تجعلك تسأل نفسك ما إذا كانت "الخناقات" الّتي طبَعَت حياتك "مِحِرزة"! وزيارة السجن ستنبّهك من جهة لكي لا تتصرّف خارج القانون حيث يسود الطمع والجرأة على الارتكاب، ومن جهة ثانية ستثير في ذهنك أهمّية الحرّية ومساوئ خسارتها إن لم تحافظ عليها بمسؤوليّة.
أربعة أماكن إذا زرتَها تُغيِّرُ الكثير من توقّعاتك من هذه الدنيا، وتنبّهك إلى ما يمكن أن يحدث على بغتة ويغيّر حياتك بشكل درامي، ويُخرجك عن مسارك الطبيعي الّذي كان جارياً. هي لن تقودك إلى الفشل والكسل واللامبالاة. إطلاقاً. هذا لن يحدث. هي تجعل توقّعاتك واقعيّة، وتساعدك على إعطاء كل أمرٍ حقّه فلا تزيد من ذلك ولا تنقص من ذاك، وتنير دربك لما هو ذو قيمة ولما هو أكثر قيمة، وتمنحك حكمةً نوعيّة في الخيار والقرار والمسار.
نبض