خسارة "علي الطاهر" أقلّ من خسارة خامنئي
لا تحتاج إسرائيل إلى إعلان أن الهجوم هو توجّهها الدائم، فاعتداءاتها مستمرّة في لبنان وسوريا، كما في غزّة والضفة الغربية، وتدلّ التصريحات الأخيرة لقطبَي التطرف، وزيري المال والأمن، إلى أن مسألة "الإبادة" لم تعد تحرج الساسة الإسرائيليين، إذ باتوا أكثر حضّاً على ممارستها.
وحتى لو ذكّرهم الرئيس الأميركي بأن الطرف الفلسطيني "وافق على إلقاء السلاح"، فإن سموتريتش يحاجج بأن "قادة "حماس" يُفترض ألا يكونوا على قيد الحياة"، أما بن غفير فيدعو إلى قتل 30 إلى 40 شخصاً في غزّة كل ليلة (...) ينبغي ألا يعيشوا، إنهم ليسوا بشراً حتى"، مستعيداً قول وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، المطلوب (مع نتنياهو) من المحكمة الجنائية الدولية.
أما إيران فحرصت أخيراً على إعلان انتقالها الوشيك من الدفاع إلى الهجوم، إذ تأكّد لها أن الولايات المتحدة تتجه إلى تجميد الحرب في الوضع العسكري الذي بلغته، مع إبقاء حصار الموانئ وتشديد الحصار الاقتصادي بعقوبات "غير مسبوقة" تمسّ كيانات وشركات صينية وخليجية لا تزال إيران تستفيد من خدماتها. وإذ يتكشّف التوجّه الهجومي الإيراني بأنه يراهن أكثر فأكثر على تحريك "الوكلاء" هنا وهناك، فإنه يصعّد التوتر الإقليمي من دون أن يساعد إيران على الخروج من مأزقها.
مهما بلغت استهدافات الحوثيين لمواقع نفطية أو غير نفطية في السعودية فإنها لن تحقق لطهران أي مكسب بل يمكن أن تتسبب بعودة الضربات الأميركية لبناها التحتية، خصوصاً إذا واصل الحوثيون السعي إلى إغلاق مضيق باب المندب. أما استفزازاتهم للجبهات الداخلية سعياً إلى اشعال الحرب مجدداً، فإن نتائجها ستبقى محدودة ولن تتمكّن من اجتياح مأرب للاستيلاء على منشآت النفط والغاز. ومن الواضح أن "الحرس الثوري" سيلعب كل أوراقه في العراق، فهو يكثّف الضربات على كردستان ولن يتردّد في افتعال مواجهات استباقية بين فصائله والدولة بهدف استعادة الانقسامات وإجهاض خطة الحكومة لـ "حصر السلاح" والتهيؤ لما بعد الانسحاب الأميركي من العراق بنهاية أيلول/سبتمبر.
مع وضوح الضغوط الأميركية اضطر بنيامين نتنياهو للتظاهر بأنه "متعاون" في "خطة غزة" بعدما رفضها رسمياً، لكنه يذكّر المبعوث الأميركي، صهر دونالد ترامب، بـ "الأهداف المشتركة" (لا وجود عسكرياً أو ادارياً لـ "حماس" والفصائل في غزّة)، أي أنه "يتعاون" بغية نسف "الخطة" كما وضعها الوسطاء مع ما يُسمّى "مجلس السلام". لا يريد نتنياهو وعصابته سوى ضوء أخضر لتطبيق "الخطة" على طريقتهم. لذلك فإن اتفاقاته مع جاريد كوشنر قد تهدّئ الوضع في غزة نسبياً في انتظار الانتخابات الإسرائيلية أواخر تشرين الأول/أكتوبر.
الضغوط الأميركية أقلّ تأثيراً بالنسبة إلى لبنان، ليس فقط لأن "حزب إيران/ حزب الله" يرفض تسليم سلاحه بل لأن "الحزب" ملزم أيضاً بالتصعيد، وفقاً لتعليمات "الحرس" الإيراني. والضغوط الأميركية أقلّ تأثيراً لأن الجانب اللبناني، الدولة والجيش، ليس لديه ما يقدّمه لإجبار إسرائيل على الانسحاب أو لحصر سلاح "الحزب". لم تخرج جولات التفاوض، من روما إلى واشنطن، من هذه الحلقة المفرغة، فإسرائيل وإيران تريدان افشالها: إسرائيل، لأنها مستمرّة في تجريف العمران منعاً لعودة الجنوبيين إلى أرضهم وتستبعد أي انسحاب كامل حتى إذا انتهت الحرب.
وإيران، لأنها تصادر قدرات الدولة اللبنانية عبر مصادرة سلاح "الحزب" وقراره، ولأنها متمسّكة بـ "ورقة لبنان" مهما كان الثمن، فخسارة "الحزب" تلة علي الطاهر ليست أهمّ من خسارة إيران علي خامنئي.
نبض