.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
إن بناء أديس أبابا مزيداً من السدود للتحكم الكامل بمياه النيل الأزرق، وبيعها لمن يدفع، أمر لن تقبله القاهرة والخرطوم. سيعدانه "عملاً عدائياً يستلزم الرد"، وقد تلجأ مصر الى مجلس الأمن وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة...
اشتعلت حرب التصريحات مجدداً بين مصر وإثيوبيا. أعلنت أديس أبابا أنها ستبني ثلاثة سدود على النيل الأزرق، وأنها ستسيطر على تدفق النهر باتجاه دولتي المصب، بينما حذرت القاهرة من أنها لن تسمح بسيطرة أي طرف على النهر، مؤكدة أنها تحوز "أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في النيل". هي طبول الصراع تدوي بصخب على ضفاف النيل، بداية فصل من الصراع قد يشعل مياه النهر، ويصبغها بلون الدماء، ما لم يستفق عقلاء القوم!
تشعر إثيوبيا بفائض قوة. لا تتوقف عن هزّ رقعة الشطرنج في القرن الإفريقي وحوض النيل. مع إعلانها مخطط إنشاء ثلاثة سدود كبرى جديدة على النيل الأزرق (ماندويا، كرادوبي، وبيكو آبو)، تتكلف مليارات الدولارات، تتيح لها - مع سد النهضة - سعة تخزين 200 مليار متر، توازي إيراد النيل الأزرق في أربع سنوات متتالية، من دون اتفاق مع دولتي المصب، ما يثير شكوكاً عميقة بأن تلك السدود لا يمكن أن تكون مشاريع تنموية، بل سلاح هيدروليكي استراتيجي، يمنح إثيوبيا القدرة على التحكم المنفرد، بصنبور الحياة لمئة وخمسين مليون إنسان في مصر والسودان.
هكذا تتقاطع جغرافية النهر مع فلسفة السلطة. من يملك أعالي النيل يحوز مقصلة الخفض والرفع عن المصبات، ما يفتح باب أسئلة حارقة بشأن ملامح الإقليم الجديد. إثيوبيا بلد يطفح بالعقد الجيوسياسية؛ دولة "حبيسة" تسعى للوصول إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي، عبر السيطرة على أراضي إريتريا أو الصومال أو السودان، وفي الوقت نفسه، تحوز نحو 12 من أحواض الأنهار، ويسقط عليها ما يقارب تريليون متر من مياه الأمطار سنوياً، بينما تبلغ حصة مصر من النيل 55 مليار متر سنوياً، ما يضعها تحت "خط الفقر المائي".
إثيوبيا ومصر على طرفي نقيض في ملفات النيل والسودان والصومال وأمن البحر الأحمر، وغيرها، لكن الجانب الأكثر دراماتيكية في المشهد يكمن في "التناقض الرهيب": إثيوبيا دولة تعاني أزمات بالداخل وتتمرد بالخارج، تغرق حتى أذنيها في حروب أهلية طاحنة، وتتوزع ولاءات شعوبها بين جبهات متناحرة. تحارب المعارضة الانفصالية الجيش الإثيوبي في تيغراي، وأمهرة، وأوروميا، وأوغادين، وعفر، وبني شنقول، إلخ، وغالباً ما تلجأ الأنظمة التي تعاني التصدع الداخلي والنزاعات العرقية إلى صناعة "عدو خارجي" أو خوض مغامرة كبرى، لتوحيد الجبهة الداخلية.
وإذا كانت إريتريا والصومال تشعران بالانزعاج من نهج أديس أبابا، فإن مصر والسودان ترفضان الهيمنة الهيدرو-سياسية، استناداً الى قواعد القانون الدولي للأنهار الدولية، والتي تحظر إحداث ضرر جسيم بدول المصب، أو إنشاء مشروعات مائية عابرة للحدود من دون توافق واتفاقات ملزمة. من ثمّ تكررت تصريحات مسؤولين مصريين بأن القاهرة لن تسمح بأي سدود جديدة تهدد نقطة مياه من حصتها، وأن أمنها المائي "خط أحمر"، وأن إعلان إثيوبيا عن سعيها إلى "السيطرة على تدفق نهر دولي" يسقط مزاعمها المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية من دون الإضرار بالآخرين، وأن مصر سبق أن أعلنت - في خطاباتها لمجلس الأمن - أنها "ستتخذ التدابير كافة المكفولة لها بموجب القانون الدولي، لحماية حقوق شعبها ومقدراته في النيل". أما السودان فيجد نفسه في عين العاصفة، يعاني ويلات حرب داخلية، لكنه يدرك أن العبث بمياه النيل الأزرق يعني محو أمنه الغذائي والمائي وسلامة سدوده وتدفقات مياهه.
إن بناء أديس أبابا مزيداً من السدود للتحكم الكامل بمياه النيل الأزرق، وبيعها لمن يدفع، أمر لن تقبله القاهرة والخرطوم. سيعدانه "عملاً عدائياً يستلزم الرد"، وقد تلجأ مصر إلى مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باعتبار السدود الإثيوبية "تهديداً وجودياً لدولتي المصب، يستوجب حق الدفاع عن النفس".
يبدو أن لا وقت لضبط النفس في القاهرة، خصوصاً أنها ترى أن أديس أبابا تقوم بدور القفاز أو المخلب لقوى إقليمية ودولية - ولا سيما منها إسرائيل - لمحاصرة أطراف مصر وتطويقها وشدّها في محيطها الإقليمي، لتثبيت نفوذ إسرائيل سياسياً واستراتيجياً بالإقليم. وأن غياب الحكمة السياسية في إثيوبيا، وتبنيها منطق القوة، في ظل هشاشتها داخلياً، لعب بالنار على بارود قابل للاشتعال في أي لحظة، وأن رهان حكومة أديس أبابا على تدوير "أشباه الحلول" - بدل التعاون - محاولة خطيرة لتجاوز الأزمات. فالمياه ليست جزيئات سائلة تجري في الأنهار أو البحار، بل هي "الدم الجيوسياسي" للأمم، ركيزة تُقام عليها صروح الأوطان أو تهوي بها. لذلك فإن "قواعد الردع الكلاسيكية" قد تتبدل عندما يتعلق الأمر ببقاء الدول. تصبح الخيارات كلها على الطاولة، وأي خطوة أحادية قد يكون ثمنها فادحاً على الجميع، وعلى كل لاعب أن يدرك أن كسر إرادة جيرانه أمر بعيد المنال، فإما أن ينتصر منطق التعاون والاتفاقات العادلة، وإما أن تجرف سياسات الغطرسة المنطقة إلى جوف البركان!