حين يصبح المؤثر مؤسسة إعلامية... من صناعة الضجيج إلى صناعة الوعي

كتاب النهار 19-08-2026 | 03:59

حين يصبح المؤثر مؤسسة إعلامية... من صناعة الضجيج إلى صناعة الوعي

تزداد المشكلة تعقيداً عندما تصبح الخوارزميات هي «رئيس التحرير» غير المرئي؛ فهي تكافئ غالباً المحتوى القادر على جذب الانتباه والتفاعل، وليس بالضرورة الأكثر دقة أو قيمة. عندها قد تتحول الإثارة والمبالغة والخلافات الشخصية وكشف الخصوصيات والإسفاف إلى وسائل سهلة لجمع المشاهدات...

حين يصبح المؤثر مؤسسة إعلامية... من صناعة الضجيج إلى صناعة الوعي
بعض المؤثرين حصلوا على قوة الإعلام قبل أن يتعلموا مسؤولية الإعلام. (تعبيرية/ أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد المؤثر في الإعلام الاجتماعي مجرد شخص يشارك تفاصيل حياته أو أفكاره مع مجموعة من المتابعين. بعض المؤثرين اليوم يمتلكون جمهوراً يفوق جمهور مؤسسات إعلامية عريقة، وتستطيع كلمة أو مقطع قصير منهم أن يصنع رأياً، ويغير سلوكاً، ويؤثر في سمعة فرد أو مؤسسة، بل وفي صورة مجتمع أو دولة. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تطورت مسؤولية المؤثر بالسرعة نفسها التي تطورت بها قوته؟

في الإعلام المهني الرصين، لا يتعلم الإعلامي فقط كيف يكتب الخبر أو يقدم المحتوى، بل يدرس أخلاقيات العمل الإعلامي: الدقة، والتحقق، والموضوعية، واحترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، والفصل بين الرأي والمعلومة والإعلان، وعدم نشر الشائعات أو الإساءة إلى الآخرين، والأهم إدراك أن للكلمة أثراً وأن وراء كل نشر مسؤولية.

كذلك، يعمل الإعلامي داخل منظومة تحكمها سياسات تحريرية وقوانين ومدونات سلوك ومراجعة مهنية. أما في عالم المؤثرين، فقد ينتقل الإنسان خلال فترة قصيرة من حساب شخصيّ محدود إلى منصّة يتابعها الملايين، من دون أن يمر بالضرورة بأيّ تأهيل إعلامي أو أخلاقيّ يتناسب مع حجم القوة التي أصبحت بين يديه.

وهنا تكمن فجوة استراتيجية في منظومة الاتصال الحديثة: بعض المؤثرين حصلوا على قوة الإعلام قبل أن يتعلموا مسؤولية الإعلام.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تصبح الخوارزميات هي "رئيس التحرير" غير المرئي؛ فهي تكافئ غالباً المحتوى القادر على جذب الانتباه والتفاعل، وليس بالضرورة الأكثر دقة أو قيمة. عندها قد تتحول الإثارة والمبالغة والخلافات الشخصية وكشف الخصوصيات والإسفاف إلى وسائل سهلة لجمع المشاهدات، ويصبح السؤال: "كم حققت من المشاهدات؟" بدلاً من "ماذا أضفت إلى المجتمع؟".

لكن المؤثرين أنفسهم يمكن أن يكونوا جزءاً أساسياً من الحل. فهذه القوة الاتصالية الهائلة تستطيع نشر المعرفة، وتعزيز الهوية، ودعم الاقتصاد والثقافة والتعليم والعمل الإنساني، وتقديم إنجازات المجتمع بلغة حديثة تصل إلى شرائح قد لا تصل إليها وسائل الإعلام التقليدية.

لذلك نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم "المؤثر" إلى "المؤثر المسؤول"، ومن صناعة الشهرة إلى صناعة الأثر.

ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن التفكير في تطوير ميثاق لأخلاقيات مهنة التأثير، وإطلاق برامج تدريب واعتماد للمؤثرين في أخلاقيات الإعلام والتحقق والمسؤولية القانونية، وتشجيع المؤسسات الحكومية والخاصة على إعطاء الأولوية في شراكاتها للمحتوى المهني المسؤول، إلى جانب إنشاء جوائز ومؤشرات تقيس جودة الأثر المجتمعي، لا أرقام المشاهدات وحدها.

فالمؤثر الحقيقي ليس من يستطيع أن يجعل الملايين يشاهدونه، بل من يستطيع أن يجعل بعضهم يفكر في صورة أفضل بعد أن تنطفئ الشاشة.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.