كي لا يتكرر الأسد!
متى يصل هذا الشرق المبتلى إلى اكتشاف زيف الشعارات، ورفض الشمولية القبيحة، والإيمان بأن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن القانون العادل يجب أن يكون فوق الكل؟
تختلط المشاعر، والإنسان السوي يستمع إلى منطوق الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات السورية ضد بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وابن خالتهما عاطف نجيب، ظهر الثلاثاء الحادي عشر من آب/أغسطس 2026، بعد أكثر من سنة ونصف السنة تقريباً من سقوط حكم الأسد.
لم يكن ما سمعناه جديداً تماماً، إلا أن جمع تلك الوقائع في منطوق قضائي واحد أعاد إلى الذاكرة دفعة واحدة تلك الأحداث المروعة، وكأنّ السوريين يفتحون كتاباً ثقيلاً حاول كثيرون طويلاً إغلاق صفحاته السوداء.
قرأ رئيس المحكمة ملخص الحيثيات أمام الحضور، وأوضح بأن تفاصيل الحكم كاملاً سوف تنشر على موقع وزارة العدل السورية. هنا تحديداً تختلط المشاعر. تفاصيل المأساة معروفة، ولكنها ظلت سنوات مبعثرة بين صور وحكايات وشهادات وأخبار وتقارير. عندما تجمعها محكمة في ملف واحد، تصبح الصورة أكثر وضوحاً وقسوة. ويتساءل المرء: كيف كان بمقدور مجموعة تجلس في أعلى هرم السلطة أن تنام، وصراخ المساجين يملأ المعتقلات، والأطفال يبكون هلعاً، وآباء وأمهات يبحثون عن فلذات أكبادهم الذين قتلوا صبراً أو اختفوا من دون أن يعرف ذووهم قبراً يزورونه؟
بلد كامل تمزق نسيجه الاجتماعي كثوب بلي، وملايين البشر هجروا بيوتهم، ومدن تحولت إلى ركام، ولم يكن أمام المظلوم باب لقانون مستقل أو قضاء يحميه أو حتى أذن تسمع أنينه.
هل حدث كل ذلك بسبب شهوة السلطة؟
تاريخ منطقتنا يقول إن شهوة السلطة، عندما تقترن بالخوف والغرور وغياب المؤسسات تصبح مرضاً سياسياً مدمراً. شاهدنا شيئاً من ذلك في عراق صدام حسين، وكيف تهان النفس الإنسانية. وشاهدناه في ليبيا مع معمر القذافي وشذوذ أفعاله في الشعب الليبي. ونشاهد اليوم نماذج مغلقة في جوارنا الجغرافي.
تحت غطاء المذاهب والأديان، تختلف أسماء الفاعلين وتتغير الظروف والزمن، ولكن المرض واحد: حاكم يعتقد بعد سنوات من التصفيق له أن الدولة ملكه، وأن الناس رعاياه، وأن اعتراضهم على أفعاله - وإن كانت شاذة - هي خيانة. ومن تصاريف القدر أن بعض نصوص القانون التي تليت في المحكمة، لإدانة أفعال المجموعة، هي قوانين صدرت في العهد السابق، مما يدل على الفرق بين النص والتطبيق؛ كانت النصوص موجودة، والفعل غائب!
أتذكر الشعار الذي كان يؤذي العين في المدن السورية: "الأسد إلى الأبد"!
من الذي اخترع هذه العبارة؟ ومن الذي صدقها؟ وكيف يمكن لعاقل أن يعتقد أن شخصاً أو نظاماً سيبقى إلى الأبد؟ تجربة البشرية تقول العكس. القهر قد يطول ولكن يحمل في داخله بذرة سقوطه، وإن طال الزمن، ذلك قانون لا مفر منه.
بشار الأسد لم يرتكب نظامه المجازر بحق السوريين وحسب، بل وصل الاستهتار إلى السخرية من جنوده أنفسهم. وقد كشفت أشرطة أرشيف لونا الشبل، وبثت بعد سقوط النظام، جانباً من تلك العقلية التي كانت تنظر حتى إلى من يدافعون عنها نظرة استعلاء. عند تلك النقطة لا يعود الاستبداد مجرد وسيلة للحكم، بل يتحول إلى ثقافة داخل دائرة السلطة: احتقار الناس، والاستهانة بالقانون، ثم إنكار الحقيقة نفسها.
لكن لم أفهم المبرر القانوني (وربما مبرر) لعدم تطرّق المحكمة، في ما أعلن من ملخصها، إلى دور النظام السوري في لبنان. ذلك ملف لا يجوز أن يضيع من الذاكرة. تدخل النظام السوري في المجتمع والسياسة اللبنانية سنوات طويلة، وارتبط اسمه باغتيالات وصراعات تركت جروحاً عميقة. قطاع واسع من الشعب اللبناني لا يزال يعاني منها حتى اليوم، وفي مقدّمة ذلك اغتيال رفيق الحريري، القضية التي أحدثت زلزالاً سياسياً في لبنان والمنطقة. أتذكر أن بثينة شعبان، مستشارة الأسد، نشرت بعد نحو أسبوع من اغتيال الحريري مقالاً في صحيفة عربية تصدر في الخارج، ذهبت فيه إلى أن المتفجرات المستخدمة في الاغتيال لا توجد إلا لدى إسرائيل. كان ذلك نموذجاً للطريقة التي تعاملت بها الأنظمة الشمولية مع الرأي العام: لا تبحث عن الحقيقة، وإنما قدم رواية سريعة تحوّل الأنظار إلى مكان آخر. لكن القضية اليوم أكبر من بشار الأسد، وأكبر من ممارستها في سوريا. السؤال الذي ينبغي أن يشغل النخب العربية هو: متى يتخلص هذا الشرق من وباء الدكتاتوريات الصلفة، التي تزدري إنسانية الإنسان، وتحكم بالحديد والنار، لتحقيق هدف واحد هو بقاؤها في السلطة؟ الحاكم المستبد لا يريد أن يعرف أنه كلما ولغ في الدم ضيّق على نفسه طريق النجاة. وإن بدا لا يستطيع أن يتراجع، حيث يصبح التراجع مكلفاً، يزيد القمع، وكل جريمة تستدعي أخرى لإخفائها.
هكذا تدخل الدولة في دائرة مغلقة من الدمار، إلى أن يصبح سقوط النظام مسألة وقت، بينما تكون الفاتورة قد أصبحت وطناً مدمراً ومجتمعاً ممزقاً وأجيالاً تحمل الندوب. ليست المشكلة في شخص يظهر ثم يختفي. المشكلة في البيئة التي تسمح بصناعته، وفي الثقافة التي تصفق له، والنخب التي تبرر أخطاءه، والمؤسسات التي تتنازل عن استقلالها حتى يصبح الفرد أكبر من الدولة. لهذا، فإن محاكمة الأسد، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها. الامتحان الحقيقي هو بناء دولة لا تستطيع إنتاج أسد آخر. ترى متى يصل هذا الشرق المبتلى إلى اكتشاف زيف الشعارات، ورفض الشمولية القبيحة، والإيمان بأن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن القانون العادل يجب أن يكون فوق الجميع؟ تلك أسئلة على النخب العربية أن تجيب عنها قبل أن يتكرر انتشار الوباء.
نبض