.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
المشكلة ليست في أن تكون للهند علاقة قوية بإسرائيل، فالدول تبني تحالفاتها وفق مصالحها. المشكلة أن يتحول التقارب إلى انحياز يفقد الهند قدرتها التاريخية على التوازن...
ظلت الهند عقوداً من أبرز الدول المؤيدة للقضية الفلسطينية. عارضت تقسيم فلسطين عام 1947، وساندت منظمة التحرير، وجعلت دعم الفلسطينيين جزءاً من هويتها كقائدة لحركة عدم الانحياز. لكنها اليوم لم تعد مجرد مشترٍ رئيسي للسلاح الإسرائيلي، بل أصبحت، وفق تحقيق حديث لمنظمة العفو الدولية، شريكاً مهماً في سلسلة إنتاجه وتوريده.
هذا التحول لم يبدأ مع ناريندرا مودي، وإن كان قد بلغ في عهده مستوى غير مسبوق. اعترفت الهند بإسرائيل عام 1950، وأقامت معها علاقات ديبلوماسية كاملة عام 1992 في عهد حكومة حزب المؤتمر. ثم تسارع التعاون الأمني بعد حرب كارجيل مع باكستان عام 1999، عندما قدمت إسرائيل للهند ذخائر ومعدات مراقبة في وقت حرج.
ما فعله مودي هو إخراج العلاقة من الغرف المغلقة إلى المجال العلني، وإضفاء طابع شخصي وأيديولوجي عليها. ففي 2017 أصبح أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل، وتعمد عدم الجمع بين الزيارة ومحطة فلسطينية، كما كان يفعل زعماء آخرون حفاظاً على التوازن. ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقة تمتد من السلاح والاستخبارات إلى الزراعة والمياه والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
التحول الأخطر كشفه تحقيق بعنوان «صُنع في الهند»، نشرته منظمة العفو الدولية. فقد تتبع بيانات 2596 شحنة نُقلت من الهند إلى إسرائيل بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ووجد أنها تضمنت ما لا يقل عن 390 ألف مكون لأسلحة فردية عسكرية، ونحو 565 ألف جزء لذخائر متفجرة، بينها أغلفة قذائف ورؤوس حربية للمسيّرات، إضافة إلى مكونات لمركبات عسكرية.
والأمر لا يقتصر على شركات خاصة أو مشروعات مشتركة مع الإسرائيليين، بل يشمل شركات هندية مملوكة للدولة. ولذلك حذرت المنظمة من أن استمرار التوريد، مع العلم باحتمال استخدام هذه المكونات في غزة، قد يعرّض الهند وشركاتها لخطر التواطؤ في انتهاكات القانون الدولي. وهذا توصيف قانوني صادر عن المنظمة، ترفضه إسرائيل، وليس حكماً قضائياً نهائياً.
الأهم أن الهند لم تعد تستورد السلاح الإسرائيلي فقط، بل دخلت مرحلة الإنتاج المشترك وإعادة التصدير. فمنظومات كثيرة تحمل اليوم شعار «صُنع في الهند»، لكنها تقوم على تكنولوجيا إسرائيلية أو شراكات بين شركات البلدين. إنها علاقة اعتماد متبادل، إسرائيل تمنح الهند التكنولوجيا والخبرة القتالية، والهند توفر سوقاً ضخمة وقدرة إنتاجية وعمالة أقل تكلفة.
وتوضح أرقام معهد استوكهولم لأبحاث السلام حجم التشابك، فقد استحوذت الهند على 29%من صادرات السلاح الإسرائيلية بين 2021 و2025، لتصبح أكبر زبائنها، بينما وفرت إسرائيل 15% من واردات الهند العسكرية، محتلة المرتبة الثالثة بعد روسيا وفرنسا..
ومع ذلك، تظل نيودلهي شديدة التحفظ في الكشف عن صادراتها. فعندما سُئل وزير الخارجية جايشانكار في البرلمان، تجنب تقديم تفاصيل، مؤكداً أن قرارات تصدير المنتجات الدفاعية تحكمها «المصلحة الوطنية». كما رفضت المحكمة العليا عام 2024 دعوى تطالب بوقف التصدير إلى إسرائيل، معتبرة أن إدارة السياسة الخارجية تدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية.
يفسر بعض المراقبين محدودية الاعتراض الشعبي بوجود تقارب بين القومية الهندوسية، أو «الهندوتوا»، والصهيونية لدى قطاعات من قاعدة مودي. فإسرائيل تُقدَّم لهذه القطاعات كنموذج لدولة قومية قوية، متفوقة تكنولوجياً، وقادرة على استخدام القوة في مواجهة محيط تعتبره معادياً. لكنه يظل تفسيراً تحليلياً، ولا يصح تعميمه على المجتمع الهندي كله بتنوعه الديني والسياسي.
مع ذلك، تمنحه استطلاعات الرأي بعض الوجاهة. فقد أظهر استطلاع أجري مؤخراً أن 32% من الهنود ينظرون بإيجابية إلى إسرائيل، مقابل 28% بصورة سلبية، بينما لم يحدد الباقون موقفاً. وهي نتيجة تختلف عن التحول الحاد ضد إسرائيل في معظم الدول الغربية التي شملها الاستطلاع.
وامتدت العلاقة إلى سوق العمل. فبعد منع عشرات الألوف من الفلسطينيين من دخول إسرائيل عقب هجمات أكتوبر، استقدمت إسرائيل آلاف العمال الهنود لسد النقص في البناء ورعاية المسنين. ويعمل حالياً أكثر من 20 ألف هندي في قطاع البناء وحده بموجب ترتيبات ثنائية توسعت بعد الحرب. وهكذا أصبح العامل الهندي، إلى جانب السلاح الهندي، جزءاً من قدرة إسرائيل على مواصلة نشاطها الاقتصادي في زمن الحرب.
لكن الاندفاع نحو إسرائيل يحمل كلفة استراتيجية. فزيارة مودي الأخيرة جاءت قبيل اتساع الحرب مع إيران، ما أثار تساؤلات داخل الهند عن انحيازها ومقدار ما كانت تعرفه نيودلهي. وإيران ليست دولة هامشية في الحساب الهندي، فهي مصدر محتمل للطاقة وبوابة نحو أفغانستان وآسيا الوسطى.
والأهم أن دول الخليج تستضيف قرابة عشرة ملايين هندي، وتشكل مصدراً رئيسياً للطاقة والتحويلات المالية والاستثمارات.
لذلك لا تستطيع الهند تحمل سياسة تجعلها تبدو ملحقة بالمحور الإسرائيلي على حساب علاقاتها مع الخليج وإيران.
رسمياً لا تزال نيودلهي تؤيد حل الدولتين، وتقدم مساعدات للفلسطينيين، وتصوت أحياناً ضد الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. لكنها عملياً أعادت ترتيب أولوياتها، أصبحت فلسطين التزاماً ديبلوماسياً، بينما أصبحت إسرائيل شريكاً أمنياً وتكنولوجياً واقتصادياً.
المشكلة ليست في أن تكون للهند علاقة قوية بإسرائيل، فالدول تبني تحالفاتها وفق مصالحها. المشكلة أن يتحول التقارب إلى انحياز يفقد الهند قدرتها التاريخية على التوازن، أو أن تُستخدم «المصلحة الوطنية» ستاراً يحجب عن الهنود معرفة أين تذهب أسلحتهم وكيف تُستخدم.
لقد بنت الهند نفوذها الدولي على الاستقلال الاستراتيجي وعدم الارتهان لمحور واحد. أما اختبارها الآن فهو أن تحافظ على مكاسب علاقتها بإسرائيل، من دون أن تصبح شريكاً في حروبها أو تدفع ثمنها في إيران والخليج، ومن دون أن تخسر ما تبقى من رصيدها الأخلاقي لدى الفلسطينيين والعالم العربي.