لماذا لم يعلن عن "وفاة" اتحاد الكتاب الجزائريين؟

كتاب النهار 04-08-2026 | 04:13
لماذا لم يعلن عن "وفاة" اتحاد الكتاب الجزائريين؟

هل يمكن لراصد الحياة الثقافية الجزائرية أن يعلن مثلاً عن "موت" اتحاد الكتاب الجزائريين بعد كل هذه السنوات العجاف التي لم يعد فيها لاعباً أساسياً في قيادة الحركة الإبداعية والفكرية الوطنية...

لماذا لم يعلن عن "وفاة" اتحاد الكتاب الجزائريين؟
أين اتحاد الكتاب الجزائريين؟
Smaller Bigger

في العقود الأخيرة كثرت المقالات التي تعلن عن موت المؤلف وترحب بميلاد القارئ. وكان المفكر الأول الذي أعلن عن "وفاة المؤلف" هو الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت. وفي المدة ذاتها تقريباً لحق به مواطنه الفيلسوف ومؤرخ الأفكار ميشال فوكو وأعلن أيضاً عن موت المؤلف، ولكن مثل هذه الوفاة هي مجرد حدث رمزي ولا تعني موتاً سريرياً حقيقياً للأديب المبدع، وإنما تعني أن صناع الإبداع لا ينفردون وحدهم بتأليف الرواية أو القصيدة أو المسرحية وإنما يشترك معهم في ذلك التراث الذي نهلوا منه، وتجارب من سبقهم أو عاصرهم من المبدعين والمفكرين الملهمين.

وفي المدة الأخيرة أعلن الناقد البريطاني رونان ماكدونالد عن موت "الناقد" وذلك في كتابه الذي يحمل هذا العنوان بالذات. علماً أن الناقد ليس بالضرورة هو الدارس الذي يغربل النصوص الإبداعية ويحللها ويبدي رأيه في نجاحها أو فشلها في القبض على الجمالية، والمضمون الذي يقدم نفسه في صيغ فنية تسوغ قيمته الإبداعية، بل إن المبدع نفسه يصير في الغالب ناقداً يقوم بتهذيب عمله الإبداعي وإعادة تشكيله وأحياناً يعيد ولادته من جديد بعد أن يكون قد مارس على نصه الأولي نقداً ذاتياً.

في هذا السياق نتساءل: هل يمكن لراصد الحياة الثقافية الجزائرية أن يعلن مثلاً عن "موت" اتحاد الكتاب الجزائريين بعد كل هذه السنوات العجاف التي لم يعد فيها لاعباً أساسياً في قيادة الحركة الإبداعية والفكرية الوطنية، جراء تغيير قوانين إنشاء الجمعيات الثقافية والفنية والفكرية الذي أحدثته العشرية الدموية وتداعياتها، وبذلك أصيبت مكونات منظومة المجتمع المدني الجزائري، ومنها اتحادات الكتاب، والموسيقيين والمغنين، والفنانين التشكيليين، والمهندسين المعماريين وغيرهم، في المقتل، وأدى ذلك إلى وضع هذه المنظومة بين أيدي شلل تعوزها الكفاءة والتخصص؟

في الواقع، فإن اتحاد الكتاب الجزائريين الذي كان في الماضي القريب "واجهةً ثقافية" للجزائر قد تعرض لانتكاسةٍ مؤلمة بعدما نتج من التعددية الحزبية السياسية شكل آخر من التنظيم، يتمثل في تعدديةٍ ذات طابع مدني ثقافي، كرسها تطبيق قوانين جديدة تسمح للأفراد والمجموعات البشرية بإنشاء جمعيات ثقافية أو فنية ذات طابع محلي جهوي حيناً ووطني حيناً آخر. في ظل هذه القوانين، صارت الجمعيات الثقافية والفنية تابعة لوزارة الداخلية والجماعات المحلية من حيث التنظيم الهيكلي والقانوني، علماً أن هذه الوزارة السيادية ليست لديها تجربة في العمل الثقافي والفني ولم تسند إليها منذ الاستقلال مهمة الإشراف على الثقافة.

وبسبب تحكم وزارة الداخلية بهذه الجمعيات الثقافية والفنية، فإن هذه الأخيرة لم تعد تابعة للأحزاب كما كان الوضع في عهد الحزب الواحد وهو حزب جبهة التحرير الوطني، أو جزءاً من هياكل وزارة الثقافة والفنون كما كان الأمر في السنوات المبكرة للاستقلال، إذ نجد هذه الأخيرة تكتفي الآن بتوفير مبالغ زهيدة لمصلحة هذه الجمعية أو تلك الرابطة، علماً أن ما تقوم به هذه الوزارة يقتصر غالباً على تسييس العمل الثقافي والفني، وتحريك ظاهرة "تكريم الأدباء والفنانين" صورياً، كما تحصر مهمتها بممارسة التنشيط الثقافي والفني والأدبي. علماً أن هذا النوع من الفعل الثقافي والفني البسيط هو مهمة الروابط والجمعيات الصغيرة المنتشرة في الجزائر العميقة.