"النهار"... حين تصبح الصحيفة جزءاً من تاريخ وطن
لا أعرف صحيفة عربية استطاعت أن تجمع بين الخبر الموثوق والرأي الحر، وأن تحافظ على سقف مرتفع للحريات كما فعلت "النهار". ولهذا، فإن الاحتفاء باقترابها من مئويتها ليس احتفاءً بمؤسسة صحافية وحسب، بل بفكرةٍ بقيت تقاوم زمناً طويلاً...
في الرابع من آب/ أغسطس 1933، خرجت إلى الناس صحيفة لبنانية صغيرة في عددها الأول. لم تكن تملك المال الكثير ولا الإمكانات الواسعة، لكنها امتلكت شيئاً أثمن من ذلك كله: فكرة واضحة بأن الصحافة ليست تجارة وحسب، وإنما مسؤولية. كان لبنان يومها لا يزال تحت الانتداب الفرنسي، وكانت معركة الاستقلال لم تبدأ بعد في صورتها الأخيرة، لكن أصواتاً قليلة كانت تدرك أن بناء الدولة يبدأ ببناء الكلمة الحرة. من هنا ولدت "النهار".
أسّسها جبران تويني في ظروف لا تختلف كثيراً عن الظروف التي تولد فيها الصحف الكبيرة عادة؛ مال قليل، وفريق صغير، ومستقبل مجهول. لكن التاريخ يثبت مرة بعد أخرى أن الصحف لا يقاس عمرها بحجم رأس المال، وإنما بقدرتها على أن تصبح جزءاً من ضمير المجتمع. وهذا ما فعلته "النهار" على امتداد ما يقرب من قرن.
مرّ لبنان خلال هذه العقود بمنعطفاتٍ تكفي لإسقاط دول، لا صحف فقط. عرف الانقلابات والأزمات، والحروب الأهلية، والاحتلالات، والاغتيالات، والانهيارات الاقتصادية، والانقسامات الطائفية التي كانت تهدد الكيان نفسه. وفي كل تلك المحطات بقيت "النهار" حاضرة. قد يختلف الناس معها في بعض المواقف، وهذا أمر طبيعي، لكنها بقيت في الغالب صوت المعارضة حين يصمت الآخرون، أو صوت الناس عندما تتسع الفجوة بينهم وبين السلطة. وحين كانت السلطة تنسجم مع المزاج العام، لم تكن الصحيفة تبحث عن معارضة مصطنعة، بل كانت تنحاز إلى ما تراه مصلحة عامة.
هذا التوازن هو أصعب ما في العمل الصحافي. فمن السهل أن تكون مع السلطة دائماً، ومن السهل أيضاً أن تكون ضدها دائماً، أما أن تحافظ على استقلالك وسط العواصف فذلك هو الامتحان الحقيقي.
أذكر أول لقاء جمعني بالراحل غسان تويني. كان الصديق جهاد الزين، المسؤول يومها عن صفحة الكتّاب، هو الذي رتّب ذلك اللقاء، ثم أتاح لي فرصة الكتابة في "النهار" خلال السنوات الأولى من هذا القرن. بالنسبة لي لم تكن مجرد نافذة جديدة للنشر، بل كانت شهادة أعتزّ بها، لأن الكاتب يعرف قيمة المنبر الذي يكتب فيه، كما يعرف القارئ قيمة الصحيفة التي تمنحه ثقتها.
كان غسان تويني واحداً من أولئك الذين ينتمون إلى مدرسة ترى أن الصحافة ليست وظيفة يومية، وإنما رسالة عامة. كان واسع الثقافة، حاضر الذهن، يدير مؤسسة صحافية وفي الوقت نفسه يحمل همّ لبنان كله. لذلك لم تكن "النهار" مجرد صحيفة أخبار، بل أصبحت مدرسة صحافية خرّجت أجيالاً من أبرز الصحافيين العرب الذين انتشروا لاحقاً في الصحافة اللبنانية والعربية.
ولم تدفع "النهار" ثمن مواقفها بالكلمات وحسب، بل بالدم أيضاً. خلال سنوات الحرب الأهلية تعرض عدد من العاملين فيها للخطف والاعتداء، ثم جاء اغتيال جبران تويني ليضيف صفحةً مؤلمة إلى تاريخها. ما زالت كلماته التي أطلقها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري حاضرة في الذاكرة: "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين، إلى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم". لم تكن تلك مجرد عبارة في خطاب جماهيري، بل كانت تعبيراً عن لحظة شعر فيها كثيرون من اللبنانيين بأن بلدهم يقف على حافة الهاوية، فيما كان النظام السوري آنذاك يطبق على الحياة السياسية اللبنانية، يغري بعض القوى ويخيف قوى أخرى.
ومن الشخصيات التي بقيت في ذاكرتي أيضاً ميشال أبو جودة. كنت قد قرأت له كثيراً قبل أن ألتقيه، وكان حضوره في الكتابة يوازي شهرته في العالم العربي. لكن أكثر ما شدّني فيه لم يكن جرأته، بل تواضعه. وهي صفة نادرة كلما ازداد صاحبها شهرة. ربما لهذا السبب بقي تأثيره أكبر من مجرد مقالات يومية؛ فقد ترك نموذجاً في أن قوة الكاتب لا تحتاج إلى ضجيج.
اليوم تقترب "النهار" من عامها المئة. قرن كامل تقريباً من الصمود في منطقة لم تكن رحيمة بالصحافة ولا بالصحافيين. تبدلت أنظمة، وسقطت جمهوريات، وظهرت وسائل إعلام جديدة، ثم جاءت الثورة الرقمية التي قلبت صناعة الصحافة رأساً على عقب، لكن اسم "النهار" بقي حاضراً. وربما لم تعد الظروف الاقتصادية تسمح لها بما كانت تملكه في سنوات ازدهارها، إلا أن قيمتها الحقيقية لم تكن يوماً في عدد الصفحات أو حجم التوزيع، بل في المكانة التي احتلتها في الوعي العربي.
لا أعرف صحيفة عربية استطاعت أن تجمع بين الخبر الموثوق والرأي الحر، وأن تحافظ على سقف مرتفع للحريات كما فعلت "النهار". ولهذا، فإن الاحتفاء باقترابها من مئويتها ليس احتفاءً بمؤسسة صحافية وحسب، بل بفكرةٍ بقيت تقاوم زمناً طويلاً أن: الكلمة الحرة قد تتعب، وقد تدفع ثمناً باهظاً، لكنها لا تموت.
نبض