أزمة الإعلام العربي... حين تسبق التكنولوجيا الرؤيةَ وتتراجع المهنة
مستقبل الإعلام العربي لن تحسمه كثرة المنصات بل جودة القيادة. فالتكنولوجيا توفر الأدوات ولكنها لا تصنع الرؤية، والذكاء الاصطناعي يعزز القدرات ولكنه لا يعوض غياب العقل الإعلامي المتخصص...
لا يعاني الإعلام العربي نقصاً في القنوات والمنصات والموازنات بقدر ما يعاني أزمة في الرؤية والقيادة وبناء الكفاءات؛ فبينما تتغير صناعة الإعلام عالمياً بسرعة غير مسبوقة بفعل المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لا تزال مؤسسات عربية كثيرة تعمل بعقلية تقليدية تركز على إنتاج الأخبار اليومية، من دون أن تبني قدرتها على صناعة التأثير وإدارة السمعة وتشكيل السرديات محلياً ودولياً.
وتبدأ المشكلة من النظرة إلى الإعلام باعتباره وظيفة تنفيذية يمكن أن يؤديها أي شخص، وليس مهنة استراتيجية تحتاج إلى معرفة متخصصة وخبرة تراكمية. ففي بعض المؤسسات يتولى التخطيط أو صناعة القرار أشخاص لا يمتلكون فهماً عميقاً لعلوم الاتصال أو سلوك الجمهور أو إدارة الأزمات الإعلامية. ولا تكمن المشكلة في أن يكون القائد خريج تخصص آخر، إذ إن المؤسسات الدولية تستفيد من خبرات الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا، وإنما في غياب الخبرة الإعلامية عن دائرة القرار وفي تهميش أصحاب الاختصاص لصالح إدارة بيروقراطية ترى عدد الأخبار والمشاهدات مؤشراً كافياً للنجاح.
هذا الخلل يفسر كثيراً من مظاهر الأزمة: ضعف المحتوى العميق، وبطء الاستجابة للشائعات، وغياب التخطيط البعيد المدى، وضآلة الحضور العربي بلغات العالم، والاعتماد شبه الكامل على منصات دولية تتحكم بالوصول إلى الجمهور. كما يؤدي إلى فقدان الكفاءات الإعلامية الثقة بمسارها المهني عندما تكتشف أن التخصص والخبرة ليسا بالضرورة معياراً للترقي والوصول إلى مواقع القيادة.
أما الذكاء الاصطناعي فلا يمكنه وحده معالجة هذا الفراغ. صحيح أنه يستطيع تسريع الإنتاج والترجمة والتحليل والرصد، لكنه إلى الآن لا يحدد المصلحة الاستراتيجية ولا يوازن بين الصدقية والسرعة ولا يقرر متى يجب الرد أو الصمت. بل قد يتحول في يد قيادة ضعيفة إلى أداة تنتج رسائل خاطئة بكفاءة وسرعة أكبر، فتبدو المؤسسة متطورة تقنياً بينما تبقى فقيرة في الرؤية.
الحل الاستراتيجي يبدأ بإعادة تعريف الإعلام بوصفه جزءاً من الأمن الوطني والقوة الناعمة والبنية المعرفية للدولة. ويتطلب ذلك وضع معايير مهنية واضحة للقيادات وإعادة الإعلاميين المتخصصين إلى قلب صناعة القرار، مع دمجهم بخبراء التقنية والاقتصاد والبيانات والذكاء الاصطناعي. كما يحتاج إلى برامج وطنية لإعداد قيادات إعلامية جديدة، واستقلالية مهنية محسوبة واستثمار أكبر في البحث والتحليل والمحتوى المتعدد اللغة.
إن مستقبل الإعلام العربي لن تحسمه كثرة المنصات بل جودة القيادة. فالتكنولوجيا توفر الأدوات ولكنها لا تصنع الرؤية، والذكاء الاصطناعي يعزز القدرات ولكنه لا يعوض غياب العقل الإعلامي المتخصص. ومن دون إصلاح القيادة وبناء المهنية سيبقى الإعلام العربي مستهلكاً للتقنيات والسرديات، بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعة الوعي والتأثير والمستقبل.
نبض